
الفصل الاول
انطلق بوق السيارة أكثر من مرة وبإلحاح دفع صميده البواب إلى الهرولة رغم سنواته الستون
حتى يفتح البوابة الضخمة التي تفصل قصر “عبد الرءوف الجيزاوي” عن الخارج..
فتح صميده بوابة القصر ليجد سيارة رؤوف تدلف داخل القصر بسرعة شديدة..
سمي تيمناً باسم الجد ولكن
ُ
رؤوف هو الحفيد الذكر الوحيد لـ”عبد الرؤوف الجي ازوي”, والذي
تحول اسمه مع الايام إلى رؤوف.. هو شاب غاية في النشاط والالتزام, من يعرفه لا
يصدق أنه على أبواب الحادية والعشرين فهو شديد الجدية والصرامة ال تكاد التقطيبة تفارق
جبهته.. حاجباه متعاقدان دائماً وكأن مطلوب منه حل مشاكل الشرق كلها.. ولكن من
_
يعرف الجد معرفة وثيقة ال يتعجب من ذلك.. فرؤوف تم تنشئته وتوجيهه بين يدي الجد
حتى أصبح نسخة مصغرة منه تقريباً.. يعتنق نفس ارائه وينتهج نفس أسلوبه الحازم..
ها لها األولوية دائماً اسم العائلة ومصلحت حتى على مصلحة بعض أفراد تلك العائلة أو
سعادتهم!!!..
ولكن هذا لا يمنع من االاعتراف أن رؤوف شاب غاية في الوسامة والجاذبية فبطوله الفارع
وكتفيه العريضين مع مالمحه الداكنة شديدة الرجولة هو حلم لنصف مراهقات البلدة
وفتياتها, ولكنه بحكم تربيته وتفكيره لا يلتفت لتلك التفاهات كما يسميها..
َ فهو ولد رجل كما لقنه جده والرجل الحق لا يلتفت لتفاهات الحب والنساء بل تلك الامور
تكون فقط للصبية والمراهقين..
ترجع قوة تأثير الجد في نفس حفيده بسبب قيامه برعايته بعد وفاة والده عبد الله ووالدته
_
زينب في حادث سيارة منذ خمسة عشر عاماً.. وكان رؤوف تخطى عامه الخامس حين وجد نفسه يتيم الابوين وحل جده مكانهما في حياته وقلبه.. لذا وبعكس اندفاعه المحموم
للولوج إلى القصر تحرك بتثاقل نحو غرفة جده وهو ال يعلم كيف يمكنه نقل الخبر الاسود
طرق باب غرفة جده ثم فتح الباب ليجد جده غارق في خشوعه وهو يتلو بعض آيات الذكر
الحكيم.. فوقف رؤوف بهدوء ظاهري عكس ما يحمل داخله وهو في انتظاره أن ينتبه جده
لوجوده… وهو ما حدث بعد عدة دقائق…. حيث التفت الجد إلى حفيده:
ـ ماذا وراءك يا رؤوف؟.. لما أتيت في هذا الوقت من النهار؟..
تقآثار رؤوف من جده وجلس بجانبه وهو يقبل ظاهر يده:
ـ صباح الخير يا جدي.. كيف حالك؟.
تعجب الجد ورمق حفيده بنظرة متفحصة وهو يقول بحدة:
ـ ماذا بك يا رؤوف؟ هل تركت الشركة في ذلك الوقت من النهار لتسألني عن أحوالي؟..
_
ازدرد رؤوف ريقه بعصبية فهو غير معتاد على تقريع الجد له:
ـ جدي.. أمممم.. جدي…
صاح الجد بانفعال وهو ينهض من كرسيه:
ـ رؤوف.. هات ما عندك.. فال وقت لدي أو لديك لهذا التردد.
وجد رؤوف أن المواجهه هي أفضل حل.. فنظر في عيني جده وهو يقول:
ـ جدي إنك رجل مؤمن.. ولم تعترض يوماً على قضاء الله ..
قاطعه جده:
ـ هل الأمر يتعلق بعمك عبد الرحمن؟.. هل هو مريض؟.. أم..
ترك سؤاله معلق فلسانه لم يطاوعه لينطق الكلمة..
تعجب رؤوف من فراسة جده, وروحه الشفافة التي استشفت الأزمة رغم عآثار وجود مقآثارات
_
لها, فنكس رأسه ليخفي بضع آثارعات ترقرقت في عينيه:
ـ البقاء لله .
ترنح الجد في وقفته فتحرك رؤوف مسرعاً ليدعمه وهو يرافقه ليعود إلى مجلسه.. سأله الجد
بصوت خفيض مكسور يسمعه للمرة األولى:
ـ ماذا؟.. كيف؟..
أدرك أن جده يطالبه بالتفاصيل فحاول أن يراوغه:
ـ جدي يجب أن ترتاح.. دعني اتصل بالطبيب ثم..
قاطعه الجد بشراسة:
ـ أخبرني يا رؤوف.. كيف؟.. هل كان حادث سيارة آخر؟..
تنهد رؤوف وهو يجيب جده:
_
ـ كال يا جدي.. لقد كنا معاً في المصنع عنآثارا شعر عمي بألم شديد في كتفه األيسر..
حاولت أن أقنعه بأخذه إلى المشفى لكنه رفض.. ثم طلب الذهاب إلى المنزل.. و… و.. صمت ولم يجد ما يضيفه…
ساد الصمت لعدة دقائق ورؤوف يتأمل جده يحاول تبين تلك القوة التي يتمتع بها الرجل..
فقد علم للتو بأنه فقد ابن ثا ٍن ومع ذلك يبدو في غاية الثبات…
ثم سمع جده يهمس في صمت وكأنه كان بداخل عقله يقرأ أفكاره:
ـ “إنما الصبر عند الدهشة األولى”..
فأجابه رؤوف:
ـ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم تنحنح ليجلي صوته:
ـ جدي..
_
عاد جده لمقاطعته:
ـ رؤوف يا بني.. إنني أعتمد عليك اليوم.. حاول أن تنهي جميع الاجراءات قبل غروب
الشمس… أنت تعلم أن عمك عبد السلام لا قبل له بمواجهه المصائب
تقآثار رؤوف منه وهو يجيبه:
ـ حسناً… يا جدي.. ال تقلق, سأُنهي كافة األمور.. ولكن هل أنت متأكد أنك ال تحتاج إلى
طبيب؟..
أجاب الرجل المسن:
ـ كلا يا رؤوف.. فقط استدعي عمتك قمر.
ـ بالطبع يا جدي.
أنهى رؤوف كافة الاجراءات المطلوبة لدفن عمه.. وكلف رجاله بإقامة سرادق ضخم للعزاء,
_
يليق بعائلة الجيزاوي أكبر عائلات تلك المحافظة في جنوب مصر..
أذهل “عبد الرؤوف” الجميع كالعادة بصالبته وقوة إيمانه وهو يرفع التابوت الذي يحتوي
على جثمان ابنه مع الرجال ويصر على ذلك, رغم محاولة رؤوف لمنعه.. ولكن الرجل
المسن تمسك بالتابوت وكأنه يريد أن يحتفظ بآخر لحظاته مع ابنه قبل أن يواريه التراب..
عاد الجميع إلى قصر الجيزاوي.. وذلك لتناول الغذاء كما تقتضي العادات.. وكانت مأدبة
كبيرة تولت قمر اإلعداد لها بمساعدة العديد من النساء اللذين قام رؤوف باستئجارهن
لمساعدة عمته… كما حضرت لتقديم المساعدة شموس زوجة عبد السلام الابن الاصغر
لعبد الرؤوف هي وبناتها الثالث.. سهير, وقمر, ونادية.. الالتي كن في حالة ذهول وقلق
مما يرينه حولهن من مظاهر الحزن والنحيب..
فقالت قمر لزوجة أخيها:
_
ـ شموس.. فلتصعد الفتيات إلى الطابق العلوي الان حتى لا تصبن بالهلع..
أجابتها شموس:
ـ أنتي تعلمين ان نعمات زوجه المرحوم عبد الرحمن نائمة في الطابق العلوي بعد أن حقنها ِ
الطبيب بذلك العقار المهدئ بعد انهيارها في المقابر, وأخشى أن يزعجنها.
ترقرقت الآثاروع في عيني قمر وهي تقول:
ـ نعم.. لقد انهارت المسكينة تماماً..
ثم عادت تقول لشموس:
ِولكن انتي حامل والاجهاد ليس في صالحك..
وأردفت وهي تقول بلهجة ذات معنى:
ِك بحاجة إلى أخ ليكون سند لهن.
_
ـ إن شاء اهلل يكون ولد هذه المرة.. فبنات
تمتمت شموس:
ـ إن شاء الله.
أخذت شموس بناتها الثالثة وخرجت من المطبخ حتى ال تسمع المزيد.. فهي تعلم أنها لم
تنجب لزوجها إال البنات وجميع من في العائلة ينتظر جنينها بلهفة هذه المرة عله يكون
الولد المنتظر…
ُركز الجميع عليها وخاصة قمر التي دائماً ما ترمي بمثل هذه التعليقات.. لما
لا تجدها
تُسمع نعمات مثل تلك التعليقات فهي لم تنجب من الاساس لا بنات ولا بنين.. لقد
مات عبد الرحمن رحمه الله بدون أن يترك أي ذرية…
_
انتبهت شموس تلك اللحظة أن عائلة الجيزاوي كبرى عائلات وجه قبلي وأكثرها ثراء .. لا
وريث لها إلا رؤوف و…. الطفل الذي يقبع في أحشائها…. إذا كان ذكرا ..
وقف رؤوف بجانب جده وعمه بداخل سرادق العزاء المهول, ورغم أنه أقيم على عجل إلا
أن ذلك لم يمنع من ظهور إمارات ثراء ونفوذ عائلة الجيزاوي, بدء من المقرئ الذي يتردد
اسمه في القنوات الفضائية والذي تم استدعائه من القاهرة إلى المعزيين أنفسهم وهم من كبار
رجال المحافظة والمسئولين واللذين قآثاروا لتقديم واجب العزاء في الفقيد الشاب, فعبد الرحمن
مات قبل أن يبلغ الاربعين..
كانت تلك المعلومة هي ما يتهامس به الجميع.. رجاالً كانوا أم نساءاما عند النساء
كانت الحوارات تزيد عن الهمس.. فمنهن من كانت تتحسر على شبابه, ومنهن من كانت تهمس بموته دون وريث أو ذرية.. ومنهن من كانت تتحسر على عائلة الجيزاوي نفسها..
فيبدو أن أبنائها يموتون في شرخ شبابهم.. فكما مات عبد الله الابن الاكبر منذ خمسة عشر
_
عاماً وكان شاباً في عشريناته.. ها هو أخاه عبد الرحمن يلحق به.
بدأت بعض النسوة في التساؤل إذا ما كان مصير عبد السالم آخر الابناء وأصغرهم سيكون
مماثلاً!!.
كانت الصغيرة قمر كعادتها الفضولية تتسلل لتكون بجانب عمتها قمر.. فالصغيرة قمر.. أو
نور القمر وهذا اسمها.. هي المفضلة عند العمة.. ودائماً تخبرها أنها تشبهها, ليس في
ً الشكل ولكن في الطباع والقوة.. ولكن نور القمر بسنواتها الثماني لا تفهم
الذي تقصده عمتها… بقولها.. إن قلبها يحدثها أن مصير عائلة الجيزاوي مرهون بنور
القمر..
بينما كانت تتحرك الصغيرة قمر بين النساء باحثةً عن عمتها بدأت تلك الهمسات تصل إلى
أذنيها, وبدأ عقلها الصغير يستوعب أنهن يتنبأن بوفاة والدها… فتو جهت قمر بكل قوتها
_
نحو تلك السيدة التي تتنبأ بوفاة عبد السلام, لتنهال عليها بقبضتها الصغيرة:
انِت شريرة.
انِت كاذبة.. أبي لن يموت, هو لن يتركني.. أن
استمرت قمر باعتداء السيدة التي حاولت تفادي القبضة الصغيرة وهي تقول:
ـ توقفي يا فتاة, توقفي يا بنت شموس.. صحيح قليلة أدب..
صاحت الصغيرة:
ـ لست قليلة أدب, ولا تناديني بنت شموس, أنا ابنة عبد السلام وحفيدة عبد الرؤوف الجيزاوي
ثم داست على قآثار السيدة المذهولة وانطلقت مسرعة إلى حديقة القصر تبحث عن والدها
قبل أن يختطفه الموت منها…
في تلك الاثناء كان الجد شعر بتوعك خفيف فعرض رؤوف عليه أن يقوم بايصاله لغرفته
_
ولكنه رفض بصالبة وطلب من حفيده أن يذهب إحضار دوائه من غرفته.. وبالفعل كان
رؤوف في طريقه ليلبي طلب جده عنآثارا اصطآثار بتلك الفتاة المسرعة كالسهم…
فأوقف قمر وثبتها من كتفيها وهي تتلوى تحت يديه القويتين:
ِـ ماذا بكي ؟ الي اين تذهبين ؟
ـ دعني.. دعني.. أريد الذهاب إلى والدي.
صاح بها في انفعال:
ِهل جننتي يا فتاة؟.. كيف تريدين الذهاب إلى مجلس الرجال؟.. اذهبي إلى الداخل فو ارً.
انفجرت قمر بالحزن مما صآثار رؤوف الذي نظر إلى وجهها وقد أغرقته الآثاروع, فعاد يسألها:
ماذا بِك ـ ؟.. لم تبكين؟….
ارتمت الصغيرة على ساقي رءوف فقد كانت صغيرة الحجم وتبدو أقل من عمرها, وزاد
_
بكائها وهي تسأله:
ـ رءوف.. هل صحيح أن والدي سيموت هو الآخر مثل عمي عبد الرحمن؟..
رفعها رءوف على كتفه فهي كانت خفيفة الوزن للغاية وهو يسألها بانزعاج:
_ من أخبرك بتلك السخافات؟.
أخبرته من وسط آثاروعها:
ـ النساء في الداخل يقلن ذلك.. لم يقلن مثل ذلك الكلام البشع؟.
ربت على شعرها وهو يقول:
انها سخافات مثل ما اخبرتك ..لا ترددي مثل ذلك الحديث مره اخري والا سيانفعال منك
الجد.. هل تريدين إغضابه؟..
هزت رأسها بالنفي.. فقال لها:
_
ُكفي عن الحزن سأصطحب الان للعمه قمر
مسحت قمر آثاروعها بظاهر يدها, وحاولت أن تمسك آثاروعها وهي تنفذ كلام رؤوف الذي
سلمها لعمته قمر التي أتت مهرولة بحثاً عن الصغيرة بعد أن أعلمتها النساء بالداخل عن
تصرف قمر, فأخبرها رؤوف بما سمعته الصغيرة حتى تبعدها هي وأخواتها عن مثل تلك
السخافات
وصل رؤوف إلى جده وناوله دواءه وطلب منه الجلوس ليرتاح قليلاً.. فاستجاب له الجد
وجلس ليستعيد ذكريات يوم مماثل مر عليه أكثر من خمسة عشر عاماً.. وذلك حين أبلغوه
بوفاة ولده الاكبر عبد االله هو وزوجته في حادث سيارة تاركين خلفهما حفيده الوحيد رؤوف
الذي تولى رعايته وتربيته ليكون الرجل القادر على تولي أمور العائلة من بعده هو وعبد
الرحمن…لكن عبدالرحمن توفي الان لم يتبقي
_
َ سوى رؤوف حفيده وعبد السلام ولده والذي لا يمكنهالاعتماد عليه في تولي ابسط الامور ..حمد الله علي وجود رؤوف فهو الوحيد الذي يمكن الاعتناد عليه في هذا الوقت الراهن..
عادت تداهمه ذكريات دفن ولديه مرة ثانية.. فمن كان يصدق أنه من سيقوم بدفن أبنائه
ُحرم من وجود أبنائه
وليس العكس.. هل كتب عليه أن يتمتع بالثروة الطائلة والنفوذ ويحرم من وجوظ ابنائه من
حوله.. يا الله .. إن الفطرة الطبيعية تحتم أن يكون الولد هو من يقوم بدفن أبيه وتلقي العزاء
فيه, وليس العكس…
عاد ليستغفر الله, فتفكيره هذا اعتراض على قضائه.. واستمر في التسبيح والاستغفار عله
يتغلب على لحظة الضعف التي أصابته ولكنه بدأ يشعر باآلالم تهاجمه.. وتزداد عليه الالم
وصعب عليه إلتقاط أنفاسه وفكر أنه اخيرا سيلحق بابنائه
لمح رءوف حبات العرق تتألأل على جبين جده فتحرك نحوه مسرعاً:
_
ـ جدي.. جدي.
نقل الحاج عبد الرؤوف إلى المشفى إثر أزمة قلبية طفيفة ورافقه ابنه عبد السلام وظل
رؤوف في سرادق العزاء.. فهذا واجبه, وبرغم القلق الذي يعصف به على وضع جده
الصحي الا أنه ظل ينتقل بين المعزيين ثم أشرف على تقديم العشاء لمن لم يلحق مأدبة
الغذاء فتلك تقاليد لابد من اتباعها وتنفيذها وذلك ما يريده جده منه بالتأكيد.. ظل يؤدي واجبه المفترض حتي رحل اخر المعزيين..
وصل رؤوف إلى المشفى وهناك أخبروه أن حالة جده بدأت تستقر ولكن يجب أن يظل
تحت الملاحظة لعدة أيام
كانت نعمات شاردة وسط بحر أحزانها وهي جالسة في غرفتها بقصر الجيزاوي, تتساءل عن
مصيرها الآن وقد مر على وفاة عبد الرحمن أكثر من ثالثة أشهر, وبقي من عدتها شهر
وبضعة أيام.. فهل ستستمر في الأقامة في القصر؟.. وبأي صفة؟..
_
صحيح أن الحاج عبد الرؤوف سيتمسك بوجودها في القصر, ولكن كيف تبقى وبأي
صفة؟.. خاصة وهي أرملة الآن والقصر يسكنه رؤوف مع جده.. وهي وعبد الرحمن لم
يُرزقا بأي أبناء رغم محاوالتهما العديدة, وهي برغم تعجبها من كبير العائله الذي لم يحرجها
أو يزعجها بكلمة تإصابة طفيفةها لتأخرها في الأنجاب إلا أنها ممتنة لذلك, فهي تدرك أهمية وجود
ذرية ووريث لرجل بمثل ذلك الثراء وخاصة إذا كان صعيدي..
اذا ً لا شيء يربطها بتلك العائلة الآن ويجب عليه الذهاب.. ولكن كيف تذهب؟.. والي اين ؟
َ فعائلتها لم يتبقي منها أحياء تقريباً وكان عبد الرحمن هو كل من بقي لها.. والآن بعد ذهابه فأين سترسو بها الحياة؟..
اغلق رؤوف الهاتف مع المحامي وهو يحاول أن يقرر إذا ما كان سيخبر جده بتلك
المصيبة أم لا؟… ولكن كيف لا؟.. وهو يحاول إيجاد حل لتلك الكار ثة منذ أن سمع بها أي
منذ أسبوع كامل ولكنه عجز أن يجد مخرج كما عجز المحامي أيضاً..
_
أخيرا حسم أمره وقرر إبالغ جده, فهو الوحيد القادر على إخراجهم من ذلك المأزق
دخل عبد السلام على والده وتقآثار ليقبل يده وهو يقول:
ـ السلام عليكم, يا أبي كيف حالك اليوم؟..
رمقه عبد الرؤوف بنظرة متفحصة وهو يحاول تصور رد فعله على ما سيخبره به, ما
سيطلبه منه:
ـ أنا بخير يا عبد السلام, كيف حال شموس والبنات؟.
أجابه عبد السلام:
ـ بخير حال يا حاج.. لقد أبلغني رؤوف أنك تريد رؤيتي بصفة عاجلة..
عاد عبد الرؤوف يتفحصه مرة أخرى بصمت.. وهو يفكر.. إنه وسيم حقاً.. أوسم رجال
عائلة الجيزاوي, ببشرته الفاتحة وشعره بسواده الفاحم ونعومته التي تحسده عليها النساء..
_
عيناه فقط هي العامل المشترك بينه وبين رجال الجيزاوي, تلك العينان الخضروان برموشهما
ن كانت نظراته تتميز بالوداعة
الكثيفة و على عكس نظرات ابنيه رحمهما الله أو رؤوف
حفيده مثالً الذي يتميز بنظرات متحفظة قوية وعند الحاجة تتحول إلى الشراسة والحدةوان…
طال صمت عبد الرءوف مما دفع عبد السلام للقول:
ـ ماذا في الأمر يا أبي؟.. هل أنت مريض مرة أخرى؟.. إن صمتك هذا يسبب لي القلق.
أجابه عبد الرؤوف:
ـ اجلس يا عبد السلام, واطمئن فالمرض لم يعاودني مرة أخرى.. كما أن نعمات تحرص
على اعطائي الدواء في مواعيده وتراعي أنواع الأطعمة الصحية في غذائي, جزاها الله كل
خير.. إنها جوهرة غالية.
_
لم يفهم عبد السلام سبب ذكر نعمات في المحادثة ولم يجد ما يقوله سوى: جزاها الله كل خير يا ابى
فاجئه الرجل المسن بسؤال مباشر:
ما رأيك في نعمات يا عبد السلام؟..
ـ ماذا تقصد يا أبي؟.. إن نعمات هي زوجة أخي رحمه الله.
أدرك عبد الرؤوف أن ابنه يفهم ما يدور في ذهنه ولكنه يتعمد اظهار سوء الفهم, فقرر
مصارحته بالحقيقة كاملة:
ـ عبد السلام.. أنت تعلم أن عبد الرحمن هو من كان يتولى إدارة شئون العائلة والأعمال في
الفترة األخيرة..
أجابه عبد السلام:
ـ نعم يا أبي.. لكني لا أدري ما علاقة ذلك بكلامك عن نعمات؟..
_
رد الأب بنفاذ صبر:
ُكف عن مقاطعتي يا عبد السلام.. والآن.. ماذا كنت أقول؟..
ـ آه.. نتيجة لتولي عبد
الرحمن كل أعمالنا قمت بعمل توكيل شامل له.. ولكن…
صمت الرجل قليلاً كأنه يجد صعوبة في التلفظ بالكلمات..
ـ عبد الرحمن احتاج لطلب قرض كبير ليقوم ببناء مدينة صناعية كبرى باسم العائلة.. لذا
قام بضم جميع الأمالك وباعها بيع رسمي لنفسه.. وأصبحت كل أموال وأمالك العائلة ملكاً
له ليقآثارها كضمان لذلك القرض.
وضع عبد السلام وجهه بين يديه وهو يقول:
ـ يا إلهي.. هل أضاع عبد الرحمن جميع ما نملك؟..
_
يا إلهي.. هل أضاع عبد الرحمن جميع ما نملك؟.
صاح الأب بانفعال:
بالطبع لا.. ألم تسمع كلمة مما قلت؟.. إن الأملاك باسم عبد الرحمن والبنك أوقف
إجراءات القرض الآن في انتظار الورثة ليستكملوا باقي الأجراءات أو لا.. فأوراق القرض لم
تكن انتهت تماماً..
تمتم عبد السلام وقد بدأ يفهم ما يرمي إليه والده:
ـ الورثة؟!!… أنت تقصد…..؟.
أجابه الأب دون مواربة:
ـ نعم.. أقصد.. أقصد أن نصيب نعمات الآن من ميراث عبد الرحمن- الذي هو كل
أمالكنا- سيتسبب في أزمة مالية لنا في السوق.. وال نستطيع فصل الاملاك أو تحديد ما
_
يفترض أن يكون لها..
صمت قليلا ثم أضاف:
ـ لذا.. يتوجب عليك يا عبد السلام أن تتزوج من نعمات.. أرملة أخيك!!
الفصل الثانى
نتفض عبد السلام عند سماعه طلب أبيه بالزواج من أرملة أخيه:
ـ كيف يا أبي؟.. إنها أرملة أخي؟!.. كما أنني متزوج بالفعل.. ماذا سأقول لشموس
والبنات؟..
رد الأب بصرامة:
ـ هذا واجبك يا عبد السلام.. فيجب أن تحافظ على أرملة أخيك, كذلك لا يمكن أن أسمح
بتفتت أملاك العائلة, ونعمات مازالت شابة وستجد العشرات ممن يطلبون زواجها, فهل
_
فكرت في مصير ممتلكات العائلة لو حدث هذا؟..
عاد عبد السلام يجادل والده:
ـ إنني أعلم كل ذلك يا أبي, ولكن كيف يمكنني؟.. كيف؟.. وشموس والبنات و…
قاطعه والده بحدة:
ُكف عن ضعفك هذا؟.. متى ستكون على مستوى المسئولية؟.. أنا أخبرك بالأزمة
التي ستحيق بالعائلة, وأنت تخشى على مشاعر زوجتك!!.. إن تلك الزيجة ضرورة وليست رفاهيه
.. لقد مات أخواك, ولم يبق سواك لتحمل مسؤليه العائله ..انا لا اطلب منك انا
آمرك بالزواج من نعمات وعليك طاعتي..
بهت عبد السلام من الحدة الواضح في كلام والده, وأدرك عمق المشكله الملقاه علي عاتقه
فأمر الزواج حُسم بالفعل في عقل والده وهو عليه التنفيذ.. لكن شموس لن توافق
_
عاتقه.. فأمر الزواج عاتقه
ً على زواجه من أخرى, كيف سيخبرها؟.. فشموس ليست مجرد زوجة إنها حبيبته وابنة
عمه, وهي تغار بشدة.. كيف تهون عليه ِعشرة السنين, ويخبرها بأنه على وشك الارتباط
بأخرى تشاركها حقها فيه؟.. لن يكون الأمر سهلا أبدا.. فليحاول مع ابيه مره اخري
قال بهدوء:
ـ إنني بالطبع مدرك لحجم تلك الأزمة, لكن هل زواجي من نعمات هو الحل الوحيد؟..
والأهم هل ستوافق نعمات على تلك الزيجة؟..
عاد الأب يرمقه بتلك النظرات المتفحصة وكأنه يريد أن يتأكد من غرضه من السؤال عن
موافقة نعمات, وأجابه:
ـ أترك أمر نعمات الان, إنها شابة وبالتأكيد تطمح لألمومة وهذا كفيل بموافقتها..
_
فغر عبد السالم فاه وقال بتعجب:
ـ الأمومة!!!.. أي أمومة؟.. لقد ظننت أن نعمات لا تنجب..
صاح به الأب:
ـ ومن قال لك هذا؟..
تعجب عبد السلام من انفعال والده, فتلعثم وهو يقول:
ـ حسناً يا أبي.. لا داعي لكل ذلك الانفعال.. لقد كان مجرد ظن… فقط..
قاطعه الأب:
ـ إن نعمات امرأة أصيلة ورائعة.. فهي تحملت اللمزات والظنون حول عقمها لسنوات.. ولكن
أخاك- رحمه الله- أخبرني أنه صاحب المشكلة وكان يخضع للعلاج, لكن..
و صمت قليلاً.. ثم أردف:
_
حسناً يا بني.. أنت تفهم الآن ضرورة زواجك من نعمات… عسى الله أن يرزقك منها
بالولد الذي طال شوقك له.
أجاب عبد السالم بقوة:
ـ إن الله أنعم علي بثالث بنات والحمد الله, وشموس حامل يا أبي, ولعل الله يكرمنا بالولد
الذي تشتاقون إليه ولكني أحمد الله على بناتي ولا أستبدلهن بكل ذكور الدنيا.
نهره الاب بقوة:
ً, ولم أفرق في المعاملة يوماً بين
ـ هل تراددني يا ولد؟!!.. أنت تعلم أني أحب حفيداتي جدا
أولادي الذكور وبين قمر ابنتي, وأنت خير من يعلم بمكانة قمر في قلبي, لكني أتكلم عن
الو لد كحامل لاسمك واسم العائلة من بعدك, فهل تفهم ما أقول؟..
_
أجابه عبد السلام وهو منكس الرأس:
ـ أعتذر عن إغضابك يا والدي, لكن كما سبق وقلت أن شموس حامل و..
عاد والده يقاطعه بقوة:
ـ لقد أخبرتك أن موضوع الزواج نهائي ولا يوجد مجال للتراجع حتى لو أنجبت لك شموس
ابن , فلابد لنا من السيطرة على أملاكنا, إنني أتكلم عن مصلحة العائلة الآن… هل
فهمت؟..
ثم أردف:
ـ اذهب وأبلغ زوجتك بقراري, ودعني أستريح قليلاً..
تحرك عبد السلام متوجهاً خارج الغرفة وهو يتمتم:
أمرك يا والدي… ولكنه كان يعلم صعوبة ما هو مقآثار عليه.
_
مشكلة.. أزمة.. صعوبة.. استحالة.. أزمة..
كلمات لا تفي موقف عبد السلام أمام شموس وما أثارته من عاصفة من الحزن والصراخ
في مواجهة خبر زواجه من نعمات.. حاول أن يجعلها تدرك صعوبة الموقف المالي الذي
تواجهه العائلة بعد وفاة عبد الرحمن, ولكن كان ردها الوحيد هو المزيد من الصراخ والنحيب
وهي تقول:
ـ تريد.. الزواج.. مرة أخرى؟.. أنا أعلم.. أنك.. تريد الولد.. الوريث الذكر.. الذي سيحمل
الشعلة.. من بعدك.. أليس كذلك؟..
ربت على كتفها يريدها أن تهدئ, فما تفعله خطر عليها وعلى جنينها:
ـ اذكري الله يا شموس, لقد أخبرتك بالسبب الحقيقي وراء تلك الزيجة, ثم أي ولد؟.. وأي وريث ؟ فانتي حامل بالفعل
قاطعته وكأنها اكتشفت للتو أنها حامل:
_
ً ما سبب زواجك
ـ حامل!!.. أنا حامل هذا صحيح, ونعمات لم تنجب لأخيك أي ذرية.. إذا
منها؟..
وارتفع صوتها ونحيبها يزداد:
ـ إنك تحبها… أليس كذلك؟.. بالطبع تحبها فهي جميلة للغاية.. ولم يتشوه جسدها بالحمل
والأنجاب, أليس كذلك؟..
ربت عبد السلام على كتفها مهدئاً: ِ
_ ماهذا الكلام ؟..انت تعلمين مقدار معزتك وحبك في قلبي .. فما داعي لهذه التراهات؟
لقد أخبرتك اكتر من مره السبب وراء تلك الزيجه .. انه في احسن الاحوال زواج مصلحه
رفعت كلماته من مؤشر انفعالها بدلاً من أن تخفضه فارتفع صوتها:
_
ـ مصلحة!!.. أي مصلحة؟.. وهل من مصلحتي أنا وبناتي وجود امرأة أخرى في حياتك؟..
شعر عبد السلام أنه يتعرض للضغط من كل الاطراف, فصاح بنفاذ صبر:
ـ ماذا أفعل؟.. كيف أتصرف؟.. أخبريني.. هل تريدينني أن أعصى والدي؟.. هل تبغين
ضياع ممتلكات العائلة وتشتتها في كل صوب؟.. أخبريني بالحل الصحيح؟.. أشيري علي
بمخرج يحل المشكلة يا أم البنات؟..
بدا أن شموس لم تستمع سوى لكلمته الاخيرة فتجاهلت كل أسئلته وهي تقول:
ـ هل تعايرني بإنجاب البنات يا عبد السلام؟!..
مسح عبد السلام وجهه بكفيه ثم اعتداءهما ببعض وهو يقول بيأس:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله .. ألم تسمعي حرف مما أخبرتك بيه يا شموس ؟ هل هذا هو ما
تظنينه بي بعد سنين العِشرة؟.. هل تعتقدين أنه سهل عليِوقوفي امامك الان لاستمع تلك الاتهامات, والتي
_
تدركين مثلي تماماً عآثار صحتها؟.. ولكنك تحتاجين لتفريغ انفعالك وحزنك
ِ, وأنا مدرك لذلك.. لكن لكل إنسان قدرة على الاحتمال, وأنا نلت ما يكفيني منك ومن أبي..
تهدج صوتها وهي تجاوبه:
ـ ال تتوقع أن تسمع مني موافقة صريحة يا عبد السلام, ولكن افعل ما شئت.
انطلقت إلى غرفتها لتفرغ كل آثاروعها, وبداخلها أمل ضئيل أن يقف عبد السالم في وجه
والده ويرفض تلك الزيجة, أو يظهر أي حل سحري لتعود أمالك العائلة بدون أن تضطر
لمشاركة زوجها مع امرأة أخرى… وأي امرأة…
إن نعمات امرأة خالبة الانوثة والجمال فنعمات رغم أعوامها الخمس والثالثو ن إلا أنها لا
تبدو إلا في الخامسة والعشرين, فكرت شموس بحنق يقترب من الحسد في جمال نعمات
ذات العيون البندقية الواسعة والشعر البني ذو اللمعة الحمراء الطبيعية بالاضافة لقوام رشيق
_
أهيف لم تشوهه علامات حمل أو انجاب.. وعبد السلام رجل, مثله مثل كل الرجال..
صحيح هي موقنة من حبه, ولكنه بالطبع سيخضع لسلطان الجمال بخاصة لو كان هذا
الجمال ملكه وحلاله, ولحظتها ستموت شموس, ستموت من حسرتها.
*******
توجهت قمر نحو والدها وعلى وجهها ابتسامة حب وتناولت يده لتقبلها وهي تحييه:
ـ صباح الخير يا حاج؟.. كيف حالك؟..
ار تسمت ابتسامة واسعة على وجه عبد الرؤوف لمرأى ابنته الوحيدة, فأشار إلى المقعد
الخالي بجواره وهو يقول:
ِ.. ستتناولين الغذاء معي اليوم.
ِ يا قرة عين أبي
_
ـ الآن أصبحت في خير حال بعد أن أريت
ضحكت قمر بسعادة:
ـ أنا تحت تصرفك يا والدي, ولكن هل يرضيك أن يتضور أولادي ووالدهم جوعا؟!… فكما
تعلم أن أنور لا يأكل إلا من طعامي, وكذلك الاولاد.
ضحك الاب وهو يقول بانفعال مصطنع:
تباً له ذلك الأنور الذي سلبني ابنتي الوحيدة وقرة عيني ونور منزلي الوضاء.. من يكون
ذلك الرجل الطيب الذي قام بتزويجك له؟
ضحكت قمر بدورها وهي تجاوبه:
ـ من زوجني له هو قرة عيني أنا, وكلامه سيف فوق رقبتي.. لذلك لم أستطع رفض الزواج
من ذلك الانور.
_
ارتسمت ابتسامة حزينة على وجه عبد الرؤوف عند سماعه لكلمات ابنته وقال لها:
ـ كم أتمنى أن أسمع تلك الكلمات بلسان أخيكي
ترددت قمر قليالً ثم قالت بتلعثم:
ـ إممممم.. لقد.. إممم..
قاطعها والدها وهو يقول بفراسة:
ـ لما تترددين يا قمر؟.. لم أعهد ِك هكذا يا ابنتي, من اتصل بيكي منهما وطلب منك
الوساطة؟.. عبد السلام أم شموس؟..
أجابت قمر بسرعة:
ـ شموس.. إنها شبه منهارة يا أبي, وهي حامل كما تعلم وكل تلك الانفعالات ليست في
صالحها.. هل نستطيع تأجيل الموضوع لفترة, حتى تنهي حملها على خير و…4قاطعها والدها للمرة الثانية:
_
ـ وماذا يا قمر؟.. هل سيتغير رأيها؟.. لا أعتقد.. ثم أن عدة نعمات أوشكت على الانتهاء,
وأخشى أن تطلب الرحيل عن القصر .
قمر بدهشة:
ـ الرحيل؟!!!.. إلى أين؟..
أجابها والدها بغموض:
ـ إلى القاهرة.. فلها خالة تعيش هناك, ولكنها لم تكن على عالقة وثيقة بها.. أنا أعلم أن
نعمات أصيلة وعلى دراية تامة بتقاليدنا ولكني لا أضمن الظروف فقد تقرر الرحيل وعآثار
المكوث في منزل يعيش به والد زوجها المتوفي وأيضاً ابن أخيه الشاب, فأن
أنني لن أتركها تعيش في بيت عبد الرحمن بمفردها.
صمت قليالً.. ثم أردف:
_
ـ دعي لي شموس.. فهي ابنة أخي وأنا أدري كيف أتعامل معها .
كان الصمت هو سيد الموقف في منزل عبد السلام.. فهو صامت ينتظر من شموس أي
ردة فعل ليجيب طلب أو بالأحرى أمر أبيه, وهي صامتة تبتهل في صمت أن تأتي آخر
محاوالتها بنتيجة.. فهي قد توسلت لقمر أخت زوجها أن تتدخل لإيقاف تلك الزيجة, وقد
بدت قمر غير مقتنعة بالتدخل فهي قبل كل شيء ابنة أبيها, وتعلم حتمية تلك الزيجة.. لكن
بعد توسالت وافقت قمر على التدخل قلقاً على صحة شموس وما تحمله في أحشائها فقد يكون الصبي المنتظر .. وشموس الآن تعيش على الأمل في انتظار أن تأتي تلك المحاولة
بنتيجة لصالحها.
لكن ذلك الامل مات في مهده عنآثارا لمحت من نافذة المطبخ سيارة عمها الفارهة تدلف إلى
فناء منزلها وهو يترجل منها ويتحرك بتثاقل نحو بابها.. فعلمت أن منيت بالفشل الأكيد.
هرولت نحو غرفة الضيوف منزلها لترحب بعمها- بعد أن نادها زوجها- فهو لا يخرج من
_
قصره ليزورهم كل يوم, فوجدته جالساً في صدر المجلس وانحنت على يده لتقبلها:
ـ مرحباً بك ياعمي, لقد حلت البركة على بيتي بتشريفك له.
ربت عبد الرؤوف على رأسها:بارك الله فيكي
ِ يا ابنة أخي وزوجة ابني.. تعالي واجلسي بجانبي هنا, هيه ماذا لديكم على
الغذاء؟.. فقد قررت أن أتناول غذائي معكم اليوم..
قالت شموس بلهفة:
ـ سوف أذهب الآن ألطهو لك جميع ما تحبه من أطعمة شهية.. وحلويات أيضاً.
ضحك الرجل العجوز وهو يمنعها من النهوض:
ـ حسناً.. انتظري قليلاً..
ثم التفت إلى ابنه:
_
ـ وأنت يا عبد السلام, ألا ترغب في إحضار حفيداتي حتى يسلمنعلي جدهن ؟..
أجابه عبد السلام بتلعثم:
ـ نعم… بالطبع.. أكيد يا أبي, سأذهب الآن لأحضرهن .
ذهب عبد السلام بالرغم من التضرع الواضح في عيني زوجته بأن يبقى ولا يتركها وحيدة
في مواجهة كبير عائلة الجيزاوي, الذي التفت ناحيتها وهو يقول بتمهل:
ـ انتي تدركين مكاتتك ومعزتك في قلبي مثل قمر ابنتي يا شموس..
أجابته بتلعثم:
نعم يا عمي.. أنا..
قاطعها عبد الرؤوف قائلا:
ُما آثارتي تعلمين .. فلماذا تسوقين الوسطاء بيننا؟..
_
زاد تلعثمها ولم تستطع الرد.. فأردف:
ـ أعلم أن عبد السلام أوضح لكي السببالذي من اجله طالبته بالزواج من نعمات واعلم ان معارضتك شئ طبيعي ولا يمكن ِالتحكم فيه, لكني أريد ِك أن تفكري بعقل
هل تريد ضياع املاك ابنائك ؟
ِ, هل تريدين ضياع أملاك العائله ؟
هل تريدين أن تتشتت أمالكنا ونفاجئ بشركاء الله أعلم بهويتهم؟.. أنا أدرك أن ما أطلبه صعب على
ِ, وأدرك مدى قوتك فانك لست أي واحدة, فأنا من ربيتك وكبرتي تحت انظاري
, وادرك ثقتك بنفسك التي لن تهتز بسبب
وثقت زيجة تتم من أجل العائلة أولا وأخيرا
ساد صمت رهيب بعد أن انتهى عبد الرؤوف من كالمه, وشموس ال تدري بما تجيبه!!…
وما هو التصرف السليم؟..
_
تشعر بآلالم رهيبة تهاجم قلبها وتسيطر عليه, هل أتى عمها ليضع مصير عائلتهم بين
يديها؟… هل يريد أن يسمع موافقتها على تلك المهزلة؟.. ماذا يريد منها؟.. ولما هذا
العذاب؟..
إذا أراد أن يزوج ابنه بأخرى, فليفعل ولا داعي لتلك التمثيلية التي تقام من أجل التظاهر بأن
اردتها, إنه يخبرها بأن معزتها تماثل معزة قمر!!.. فهل كان يقبلان يتزوج انور علي قمر ؟
.. إنها متأكدة إنه كان ليدفنه حياً … أبدا , لمجرد التفكير في ً
ذلك.. فلمـ..
قاطع عبد الرؤوف سريان أفكارها: صدقيني يا ابنتي لو كانت قمر من في يدها حل المشكلة, لكانت وافقت على أي حل في
مصلحة العائلة, حتى بدون ذهابي إليها لأقنعها, فهي ابنتي وأنا أدرى الناس بتفكيرها.. كما
أنني أعلم أنكي ستتخدين القرار الصائب .
_
بدأت شموس تشعر باآلالم تهاجم كل خلية في جسدها وحاولت الرد على عمها ولكنها لم
تستطع إصدار أي صوت, فأدارت وجهها عنه تخفي آثاروعها التي هطلت لتغرق وجهها
وهي تحاول الوصول لقرار صائب أو خاطيء.. أي قرار, ولكنها شعرت بأن الغرفة بدأت
بالدو ارن ببطء أولاً ثم ازد دورانها مع ازدياد دقات قلب شموس وهي تشعر بآلالام رهيبة في
أسفل ظهرها مما سبب لها الفزع وحاولت التقاط أنفاسها بلا جدوى..
تحركت تحاول التمسك بأي شيء ثابت فهي تشعر بأن العالم كله يدور الآن وهي تدور
معه.. وتدور.. ليختفي ويتالشى ببطء, جعلها تظن أنها تحلم أو تهذي.. لكن ما أكد لها
واقعية ما يحدث هو السائل الدافئ الذي أخذ ينساب ببطء بين فخذيها لينبأها بضياع حلمها
في إنجاب الصبي…
**********
_
رحلة سريعة إلى المشفى لمحاولة إنقاذ شموس وطفلها.. حركة سريعة من الاطباء وطاقم
التمريض.. الحالة خطيرة.. نحتاج توقيعك للتدخل الجراحي السريع.. كلمة تتردد بكثرة..
تسمم حمل.. تسمم حمل.. الوضع لا يسمح بانقاذ الجنين.. خروج الطبيب سريعاً يريد
موافقته الاجراء ما يلزم في سبيل إنقاذ شموس..
كل تلك الاحداث كانت تمر أمام عيني عبد السلام كشريط سينمائي أداره أحدهم ونسي أن
يوقفه.. فظل يتأمل غرفة العمليات التي اختفى الطبيب بها منذ.. منذ.. هو لا يدري منذ
متى!!.. ولكنه يشعر بالوقت لا يكاد يمر.. وفجأة فتح باب الغرفه ليخرج الطبيب وملامحه
متجمدة ليخبره بأن العملية تمت بنجاح, وان كانت مرحله الخطر لم تمر بعد .
تردد عبد السلام في السؤال وانعقد لسانه ليجد والده الذي لا يعلم متى وصل بجانبه يسأل
الطبيب:
_
ـ والطفل يا بني هل نجا؟..
نكس الطبيب رأسه ليخبرهم:
ـ آسف… الجنين لم يتمكن من النجاة..
ولكن كان هناك الأسوأ شعر عبد السلام بذلك من نبرة الطبيب فنظر إليه ليحثه على إكمال
حديثه, فتنحنح الطبيب محاولا إجلاء صوته:
ـ برغم تمكننا من إخراج الجنين بسرعة لكن النزيف استمر واستمر ولم نتمكن من إيقافه
نهائياً فكان لابد من… استئصال الرحم…
استئصال الرحم.. استئصال الرحم.. استئصال الرحم!!.
تلك الجملة ظلت تتردد في ذهن عبد السلام آلاف المرات… وهو يحاول استجماع شتات
نفسه ويرمق والده بنظرات كلها لوم, يتمنى لو كان يملك ما يكفي من القوة ليقف في وجهه
_
ويرفض موضوع الزواج من البداية..
كان رؤوف يتبادل حديثاً هامساً مع الطبيب حين لمح نظرات عمه الالئمة وهو يوجهها نحو
جده فأيقن أن العم في دهشة وقد يتفوه بما هو جارح أو حتى مآثارر لصحة الجد الهشة,
فتحرك مسرعاً نحو عمه واقترب منه بهدوء ليشد على كتفه بمؤازرة خفية:
ـ عمي يجب أن تتماسك, فبالتأكيد ستحتاجك زوجتك عنآثارا تستفيق, وأنا سأتولى كافة
الأمور لا تقلق.
نظر العم بعآثار فهم إليه ليسأله:
أية أمور تلك؟..
ازدرد رؤوف لعابه بضيق, فيبدو أن عمه واقع تحت تأثير الدهشة بقوة ولن يستفيق
بسهولة:
_
ـ عمي أنت تعلم أن الطفل ولد بعد الشهر السادس لذلك يجب…
سكت رؤوف ولم يعرف كيف يكمل جملته التي استوعبها عمه فأكمل عنه:
ـ يجب دفنه.. نعم لقد فهمت الآن طبيعة تلك األمور, اذهب يا رؤوف.. بارك الله فيك يا
بني.
تحرك رؤوف بسرعة من أمام عمه ولكن صوت جده استوقفه من جديد:
ـ رؤوف..
ـ نعم يا جدي.
سأل الجد بتردد وهو ينظر إلى ابنه:
ـ هل أخبرك الطبيب بنوع المولود؟..
تردد رؤوف بوضوح وهو يقول لجده:
_
ـ جدي.. ليس هناك من داع لذلك الآن.
لكن الجد عاود النداء بصرامة:
ـ رؤوف..
نظر رؤوف إلى عمه بأسف:
ـ لقد كان صبياً.. أنا آسف يا عمي.
ورحل مسرعاً في حين التفت عبد السلام لأبيه وهو يقول بجمود قاتل:
ً, حتى ولو أفرغت جميع ما تملك من أسلحة في أرسي.
ـ أبي إنني لن أتزوج من نعمات أبدا
****************
بعد عدة أسابيع……..
_
دخلت قمر إلى قصر الجيزاوي بهدوء لتصادف رؤوف الذي كان يتوجه خارجاً..
ـ كيف حال أبي الآن يا رؤوف؟..
أجابها رؤوف بأسى:
ـ صحياً إنه بخير, تبعاً لكلام الطبيب.. لكني أرى أنه مآثارر نفسياً, حتى بعد حضور عمي
عبد السلام للاعتذار له بل وتو سله السماح أيضاً, لكني أعتقد أن جدي يحمل على عاتقه
ما حدث لخالتي شموس, ولا يستطيع مسامحة نفسه حتى أنه غير قادر على مفاتحة عمي
مرة أخرى في موضوع الزواج.
ربتت قمر على كتفه وهي ترمقه بإحدى نظراتها المتفحصة والتي تجعلها أقرب شبهاً بجده
وهي تقول:حسنا لا تقلق يا رؤوف, إن عمتك قمر وصلت وسوف تجد حلا لجميع تلك المشاكل.
تركته لتتوجه إلى غرفة والدها وقد ارتسم على وجهها نظرة عجيبة تترجم ما كان يدور في
_
عقلها من مخطط رهيب لحل مشكلة العائلة وأملاكها, تلك الخطة التي ما أن سمعها عبد
الرؤوف حتى انتفض ارفضاً بشدة.. ولكن قمر استطاعت- بكل دهاء الأنثى الطبيعي
والذكاء المتوارث في جينات الجيزاوي والذي نالت منه قمر نصيباً وافرا.. ان تقنع والدها
بذلك الحل الشيطاني للحفاظ على اسم العائلة وممتلكاتها.. واضطر كبير العائلة للموافقة
على الحل وهو يشعر بمرارته في جوفه!!!.
الفصل الثالث
ربتت قمر على كتف والدها برقة:
ـ أرجوك يا أبي.. لا داعي لكل ذلك الحزن, أنت تعلم أنه الحل الوحيد امامنا الان
هل تظن أنني سعيدة أو مرتاحة لذلك؟.. ولكن لا مفر..
نكس الرجل المسن رأسه بأسى وهو يهمس:
_
ـ نعم.. لا مفر, لقد أجبرتنا الظروف على ذلك.. ولكنني تمنيت أن يختار ذلك اليتيم زوجته
بنفسه, فقد عدم عدالةته الحياة كثيراً.. وها هي الظروف تضطرنا لإجباره على الزواج ومن امرأة
تكبره بخمسة عشر سنة!.
ثم وضع وجهه بين كفيه وهو يقول:
ـ رحمـــاك يا الله.
ركعت قمر بجوار كرسي والدها وهي تتوسله:
ـ أرجوك يا أبي.. ارحم نفسك فرؤوف شاب عاقل ومدرك اهميه الموضوع ..
كما أن نعمات ما ازلت في ريعان شبابها ولا يبدو عليها سنها الحقيقي أبدافهي دائما مهتمه بالاعتناء بنفسها.
تمتم والدها بشرود:
ـ فليفعل الله ما فيه الخير.
_
توجهت قمر من فورها إلى غرفة نعمات ودخلت إليها بعد أن طرقت الباب:
صباح الخير يا نعمات.. هيه, ماذا تفعلين؟..
أجابتها نعمات برقة فقد كانت تكن لقمر معزة خاصة:
ـ أهلاً بقمر الزمان.. أنا كما ترين لا أفعل شيء سوى المكوث بحجرتي طوال اليوم, من
الجيد أنك هنا لتبقي معي اليوم فأنا أشعر بملل رهيب… أرجوكي يا قمر
جلست قمر بجوارها على الفراش وهي ترمقها بتفحص وتقول:
ً اذا يجب علينا أن نجد حلاً لذلك الملل, حل نهائي!!.
ضحكت نعمات وهي تسألها:
ـ آه.. قمر تتحدث بالألغاز, كعادتها عنآثارا تريد شيئاً
بادلتها قمر الضحك وهي تقول:
_
لكن هذه المره انتي من تريدين, ولست أنا
قطبت نعمات حاجبيها وهي تقول:
ـ أنا التي تريد!!!… أنا لا أفهمك يا قمر.
أجابتها قمر بخبث:
ـ لا تخبريني أنك لم تبتهلي ليلا ونهارا ليكون لديك طفلا يناديكي امي ..هل أنا مخطئة؟..
بهتت نعمات وتغير وجهها وهي تلوم قمر بقولها:
ـ ما الداعي لهذا الحديث اآلن يا قمر؟.. لقد احترمت فيكي دائما بعد عن تلك اللمزات
والتعليقات بشأن إنجابي أنا وعبد الرحمن رحمه اهلل, فكيف تسأليني الآن بعد وفاته مثل تلك
الأسئلة؟..
عاد المكر ليرتسم فوق ملامح قمر وهي تمسح بعض آثارعات تساقطت على وجنتي نعمات
_
الناعمتين:
ـ لما الحزن يا نعمات؟.. أنا لم أكن أريد إصابة طفيفةِك.. فأنا أعلم جيداان عآثار الانجاب كانت
مشكلة عبد الرحمن.
تفاجأت نعمات وهي تسمع ذلك الاعتراف من قمر وسألتها:
ـ كيـ.. كيف تعلمين؟..
نهضت قمر من الفراش فقد شعرت أنها لا تستطيع المكوث في بقعة واحدة بدون أن تتحرك
وقالت لنعمات:
ـ دعك من هذا الآن… وأجيبي سؤالي أولا هل تتوقين لابن أو ابنة؟..
نظرت إليها نعمات بأسى وهي تقول:
ـ وهل تحتاجين لإجابة يا قمر؟.. هل توجد امرأة طبيعية لا تتوق لألمومة!!.. لكن يجب
_
علي أن أنسى ذلك الحلم واواريه للتراب مع عبد الرحمن رحمه الله .
قالت قمر وهي ترسم خطتها بذكاء:
ـ رحمك الله يا أخي, لكن يا نعمات حرمان من الانجاب عدم عدالة .. والله لا يرضي بذلك
ولا أعتقد أن المرحوم أخي كان سيرغب في ترك ِ وحيدة في الحياة بدون ابن أو ابنة يكن لك ونيس وسند ..
سألتها نعمات بحيرة:
ـ ما معنى كالم ِك هذا يا قمر؟.. هل تحاولين إخباري بشىء ما, رسالة ربما, من الحاج عبد
الرؤوف؟.. هل معنى كلامك هذا أنه لن يعارض إذا ما فكرت في الزواج مرة أخرى؟..
عاجلتها قمر بالسؤال:
ـ وهل تفكرين؟.. هل ترغبين بالزواج ثانية؟..
زادت حيرة نعمات ولم تفهم هدف قمر من كل تلك الأسئلة, ونفذت قدرتها على تحمل
_
تالعب قمر بها فصاحت:
ِك أنا ال أحتمل تلك الألغاز.. لما لا تخبريني مباشرة إلى ماذا تهدفين؟.
ـ قمر… أتوسل إليك
عادت قمر للجلوس على الفراش بمواجهة نعمات ونظرت في عينيها مباشرة:
ِ ـ حسناً يا نعمات.. لنتكلم بصراحة,انتي مازلتي شابه وصغيره ومن حقك ان تكوني ام مثل ِاي امراه هذا حق لا يستطيع احد ان ينكره عليكي
ِلكنك تدركين جيداعادتنا وتقليدنا وتفكير الناس هنا ف البلده الذي سيحرم عليك
ِ فكرة الزواج من خارج العائلة, لذا لقد أتيت
لك الحل المناسب , ولا أخفي عليك
ان شبابك وجمالك لن يكونوا ف صالحك
إذا قررِت البقاء بدون زواج, في حين إذا وافق
_
قاطعتها نعمات بانفعال:
ِاقسم بالله انني لا افهم الي ماذا تهدفين؟.. تتكلمين عن زواجي ثانية وكأنه أمر
واقع لا محالة, فمتى أخبرتك انني ارغب ف الزواج او أفكر به؟.. إن زوجي والذي هو شقيقك ِ توفي منذ أربعة أشهر فقط.. إنني لا أزال في عدتي ولم أخرج منها, عن اي زواج تتحدثين؟!!!.
اخذت قمر تتفحصها لعدة دقائق وكأنها تفكر في طريقة لابلاغها بما تريد:
ِـ نعمات.. أنا أتكلم عن سنه الحياه . عن فطره الخلق..انا اعلم انك مازلتي في ايام عدتك كما اعلم
ِايضا انك على مشارف الخامسة والثالثين, الوقت يجري وفرصك في اإلنجابتتضاءل فزواجك لابد منه .. فامراه ف جمالك ِ لن يتركها الناس وشأنها خاصة في مجتمعنا, الضيق بأفكاره العتيقة.. لذا المصلحة تحتم زواجِك ومصلحتنا. فور انتهاء عدتك
شعرت نعمات بأنها تغرق.. تغرق وسط دوامة من الافكار زرعتها قمر في رأسها, فعادت
تسأل بحيرة:
ـ ماذا تعنين يا قمر؟.. أنا لا أفهم مصلحتي؟.. ومصلحتكم؟… هل يريد عمي الحاج اخراجي من المنزل ؟ ..وارسالكي لتبلغيني بهذا؟..
صاحت قمر بتعجب:
_
ـ إخراجك من المنزل؟.. من قال هذا؟.. هل تعتقدين أن الحاج عبد الرؤوف يمكن أن يفكر م
بتلك الطريقة؟!!!..
سألتها نعمات وقد عجزت كلياً عن فهم ما تريده قمر:
ـ أخبريني بصراحة يا قمر.. ما هو الموضوع إذا ً؟..
ردت قمر بتأني:
ِ الموضوع ببساطة.. أن الحاج ال يرغب في أن يراكيخارج العائله.. فهو يقدرك كثيرا
اختارِك لتكوني زوجة لأفضل رجال العائلة.
نعمات بدهشة:
ـ ماذا؟!!!..
ردت قمر بهدوء مستفز:
_
ـ لما كل هذه الدهشة؟..انت تدركين معزتك في قلب والدي .. فهو لا يرغب أن يراكي زوجه
لأحد من خارج العائلة.
أجابتها نعمات وهي تحاول استيعاب ما تخبرها به قمر:
ـ هل تعنين أن والدِك يرغب في تزويجي من عبد السالم؟.. يا إلهي!!.. هل يريدني أن
أرتبط بأخ زوجي المتزوج؟!!.. وشموس؟.. هل وافقت على تلك المهزلة؟.
ثم اتسعت عيناها بذعر وهي تقول:
ـ لهذا حدث ما حدث لشموس؟.. هل أنا السبب؟ يا إلهي!!.. يا إلهي!!..
أُسقط في يد قمر, فهي لم تفكر في أن نعمات يمكن أن تربط الأحداث ببعضها.. لذلك
سارعت بمصارحتها بدون مرواغة قائلة:
ـ وما شأن عبد السلام بموضوع زواجِك؟.. أنا لم أقل أن أبي يرغب بتزويجك منه.. إن
_
والدي يريدِك زوجة لرؤوف ابن أخي عبد الله..
صرخت نعمات بذهول:
ـ ماذا؟.. ما هذا الجنون؟!..
رمقتها قمر بانفعال مستعر:
ـ من تقصدين بالغير متزن؟.. أبي؟.. أم أنا؟..
تلعثمت نعمات في ردها:
ـ أنا.. لم.. أقصد.. أنا..
قاطعتها قمر بحزم:
ان رؤوف رجل يعتمد عليه, ووالدي يعده منذ زمن ليحل محله في كل شيء, وأنتي ترغبين في الاطفال, ولن يسمح لكي بالزواج خارج العائله وانتي تدركين ذلك جيدا.. اذا .. ما
المشكلة؟.. في إتمام الزيجة؟.. إن رؤوف بلا شك سيرغب في المحافظة على بيت عمه وزوجته من ذئاب البشر .. فهو رجل بحق كما اخبرتك .. فكري جيدا ً.. ولا تضيعي فرصتك
_
الوحيدة لتكوني أم, فالعمر يجري كما تعلمين..
تأملتها نعمات بدهشة, وقد أدركت جدية الأمر, ولم تعلم بما تجبها إلا بما هو واضح
وضوح الشمس ولكن قمر تتجاهله ببراعة:
ـ قمر إن رؤوف في العشرين من عمره.. إنني أكبره بحوالي خمسة عشر عاماً.. هل تدركين
ما معنى ذلك؟..
أجابتها قمر بثبات:
ِ ـ واذا كان هو لا يهتم .فلما تثيرين الموضوع؟… ثم إن رؤوف سيبلغ الحادية والعشرين
بعد أيام قليلة.
ُصعقت نعمات من منطق قمر, ففغرت فاهها غير قادرة على مواصلة ذلك الحديث
الغير متزن.. ولكنها يجب أن تحاول إيصال وجهة نظرها إلى قمر, بل إلى والد قمر الذي
_
أرسل ابنته لاتمام تلك المهمة العجيبة والمستحيلة…
فأخذت نفس عميق ثم حاولت مرة أخرى:
ـ إن رؤوف بالنسبة لي.. ابن أخ زوجي, أراه كشاب صغير.. لن أبالغ وأقول طفل, ولكني كيف
ِبالله عليك أفكر في الزواج منه؟.. حتى لو كانت فرصتي الوحيده كما تقوليين !
نظرت قمر في عينيها وسألتها بتمعن:
ـ هل ترغبين أن تكوني زوجة ثانية لعبد السلام؟..
حاولت نعمات الحديث, لكن قمر منعتها بإشارة من يدها وأردفت:
ً طفل حتى وهو
ً في رؤوف, فهو لم يكن أبدا
ِك لن ترغبي في ذلك.. فكري جيدا
_
ـ أنا أعلم أن
طفل, إن والدي يعامله كرجل منذ أن تولى رعايته ورؤوف اعتاد على ذلك فهو يتصرف
ويتعامل كرجل مسئول, فلا تجعلي فارق تلك السنين عقبة في تحقيق أمنيتك.
حاولت نعمات الكلام مرة أخرى ولكن للمرة الثانية تقوم قمر بإيقافها, وتنهض من على
الفراش لتقبلها مودعة وتهمس لها:
ـ أبي في انتظار موافقتك.
رغم اعتراض عبد الرؤوف الخفي على تلك الزيجة العجيبة, إال أنه يتفق مع ابنته قمر بأنها
تاح للحفاظ على أمالك وهيبة العائلة.. وكان يدرك أن طريقه مع رؤوف..
أيسر بكثير من طريق قمر مع نعمات, فرؤوف سيكفيه توضيح سريع للموقف وطلب حازم
من جده ليفهم أن تلك الزيجة واجبة التنفيذ, ولا مجال لااعتراض فمصلحة العائلة لها
_
الأولوية على كل شيء وأي شخص.
لذا بعد أن تناوال العشاء على غير العادة, حاول أكثر من مرة مفاتحته في الموضوع, لكنه يشعر
ُغصة في حلقه فرؤوف ليس حفيده فحسب بل هو كابن اربع له, وعلىالرغم من أنه لا ينآثار على طريقته الصارمة في تنشئته إلا أنه يلوم نفسه أحياناً عنآثارا يدركأنه لم يعش طفولته وصباه مثل أي طفل آخر. وها هو الآن يوشك أن يسلبه شبابه بسؤاله الزواج من أرملة عمه, لكن ليس أمامه سبيل
آخر فال مجال لطلب ذلك من عبد السلام فهو ال يستطيع حتى تلك اللحظة مواجهة عينيه
بعآثارا خسر ابنه من قبل حتى أن يراه, ومن أدرى منك يا عبد الرؤوف بخسارة الضنى؟..
قاطع أفكاره صوت رؤوف وهو يسأله:
ـ جدي هل أنت بخير؟.. إني آراك شارد الليلة؟.. إلى أين ذهبت بأفكارك يا جدي؟..
رمقه جده للحظات ثم قال:
ـ رؤوف.. ساعدني لنذهب إلى المكتب, فأنا أريدك في أمر هام.
ساعد رؤوف جده حتى وصال إلى المكتب الذي طلب الجد من حفيده إغالقه خلفهما, ثم
_
اضطجع على مقعد وثير وأمر رؤوف بالجلوس أمامه على الاريكة… وتنحنح ليجلي صوته
ثم قال:
ـ رؤوف.. الموضوع يخص ثروة عمك التي آلت بطرفة عين إلى زوجته.. أنت أدرى الناس
بصعوبة فصل الأملاك ومحاولة إعادة كل شيء إلى أصله قبل أن يقوم عمك بطلب
القرض, وحتى إن حاولنا فلن أسمح بخروج ما ستتملكه نعمات خارج حدود العائلة, لن
أرواغ معك يا بني, فذلك ليس أسلوبي, لن يتمكن عمك عبد السلام من الزواج منها, لذا
فليس أمامي سواك الآن, رؤوف.. يجب عليك الزواج بنعمات.
لن ينسى عبد الرؤوف ذلك التعبير الذي ارتسم على وجه حفيده, خليط من ذهول وتعجب
ورفض واستنكار لما يسمعه ولكن ما إيذاءه حقاً تلك النظرة الكسيرة التي ظهرت في عينيه
للحظات.. ثم أخفض بصره أرضاً وهو يخفي عينيه عن جده ويقول بصعوبة:
_
ـ أمرك يا جدي.. أنا موافق على ما تريد.
ربت الجد على كتف حفيده وهو يقول له:
بارك الله فيك يا ولدي, لقد صحت تربيتي لك.
نهض رؤوف من على األريكة وتوجه إلى جده وانحنى على يده ليقبلها قائالً:
ـ أنت الخير والبركة يا جدي, وكل ما تريده أمر واجب عليتنفيذه.
ازدرد الجد لعابه بقوة وقال:
ـ سيكون زواج متكامل الأركان يا ولدي, فعائلة الجيزاوي بحاجة إلى وريث من بعدك.. أنت
ً وتفهم واجبك, لن أسمح أن يختفي اسم الجيزاوي من بعدي كأنه لم يكن.. أريد
تفهمني جيدا
أحفاد يا رؤوف… أريد أن أرى هؤلاء الاحفاد قبل وفاتي.
_
ً فبرغم كل شيء كان كلام جده محرجاً أشاح رؤوف بوجه عن جده, فهو لم يصل
بتفكيره لما يعنيه الزواج حتى ذكر له جده الاحفاد… وقال بهمس:
ـ أطال الله عمرك يا جدي..
وسكت قليلً ثم أردف:
ـ معذرة يا جدي سأصعد إلى غرفتي لأستريح قليلاً, هل تأمر بشيء آخر؟.. هل أساعدك
للذهاب إلى غرفتك؟..
ربت الجد على كتفه مرة أخرى وقال:
ـ كلا يا بني.. اذهب أنت لتستريح الآن, وبالمناسية سيكون الزواج في نهاية الشهر.
توقف رؤوف عن الحركة وهو يقول:
ـ وهل وافقت خالــ.. أقصد هل وافقت بالفعل؟..
_
رمقه الجد بنظرة متفحصة, وهو يفكر أنه حتى عاجز عن تسميتها فكيف بحق الله سيتمكن
من..
أعاد رؤوف سؤاله:
ـ هل وافقت؟..
أجاب الجد بهدوئه المعتاد:
ـ لا تقلق, وأعد كل شيء لاتمام الزواج
الفصل الرابع
أعلنت نعمات بتردد عن موافقتها.. وكان ذلك بعد أن كادت تصاب بالجنون من التفكير,
فإنذار قمر كان واضحاً..
“إذا أرادت أطفال, أو حتى حياة عائلية هادئة فستكون عبر العائلة.. عبر رؤوف فقط”.
_
ومن هي حتى تعاند وتعارض أمر أصدره عبد الرؤوف الجيزاوي!!.. ولكنها رغم ذلك لم
ترضخ بسهولة, بل حاولت محاولة أخيرة للهرب من فخ تلك الزيجة, فراسلت خالتها في
القاهرة تسألها العون, و لكن بالطبع وقفت سطوة عائلة الجيزاوي كحائل قوي دون تلك
المعونة.
وبالرغم من علمها بالموقف المالي الذي نشأ عنه وفاة عبد الرحمن, إلا أن ذلك لن يفيدها
في شيء.. فكما يقولون أحبال المحاكم طويلة وهي ستكون خاسرة مثل عائلة الجيزاوي
تماماً, إذا فكرت في اللجوء إليها.. ستخسر سنيناً لم تعد تملكها, عمرا يتسرب من بين طوابعها ..
“تباً لكي يا قمر ، لقد اشعلتي حنين دفن من زمن .. واحييت املا انطفأ مثل دهور .. لماذا داعبيتي
حلم الأمومة بداخلي؟… آه… آه.. كم أريد ذلك الطفل الذي وعدتني به كلماتسابتذل
نفسي وأهين كرامتي قرباناً لتلك الكلمة السحرية.. أمي….”
_
ذلك ما كانت تحادث به نعمات نفسها وهي تفكر في زواجها من رؤوف, والذي لم يتبقي
عليه سوى أيام..
حاولت تصور رؤوف كزوج لها, ولكنها فشلت بقوة, ففارق السن غير مستساغ فهي
عاصرت رؤوف كطفل.. هنا.. توقفت بتفكيرها.. كلا هي لا تتذكره كطفل أبدا.. حاولت ؛؛
وحاولت.. ولكنه كان دائماً صارم الملامح وجاد القسمات.
لا .لم تفكر به طفلا ً, أو حتى كرجل في ريعان شبابه.. يا إلهي, كم هو جاد
وحازم… كيف ستتعامل معه؟… كيف؟… تحمد الله في داخلها على موافقته على الاقامة
في بيتها القديم, بيت عمه.. ورغم دهشتها من تلك الموافقة إلا أنها لم تتوقف أمام أسبابها.
بعكس عبد الرؤوف الذي صآثاره موافقة رؤوف على الإقامة في بيت عمه.. وللمرة الأولى
ترتسم الدهشة على معالم وجه كبير العائلة عنآثارا سمع تلك الموافقة, تلك الدهشة التي
_
رسمت على شفتي رؤوف ابتسامة ساخرة نجح في إخفائها سريعاً وهو يحادث نفسه:
“تتعجب يا جدي من موافقتي على الإقامة في بيت عمي, ولم تدهشك موافقتي على أخذ
زوجته!!”..
هز أرسه بعجب ليقول بصوت عاٍل:
ـ نعم يا جدي.. دع خالـ… دعها تقيم في بيتها, فالمسألة لا تهم.
فكان أن أمر كبير العائلة ببعض التصلحيات والتجديدات به, وكان على رأسها بالطبع
تغيير غرفة النوم تغيير شامل, لتخفي معالمها القديمة وتستعد لإستقبال الزوج الشاب الذي
عقدت عليه الآمال لتوفير وريث لعائلة الجيزاوي…
*********
بالفعل ُكتب الكتاب بعد انتهاء عدة نعمات بأسبوع.. ولم يكن ضمن الحضورسوى عبد
_
الرؤوف وعبد السلام اللذان شهدا على العقد وأنور زوج قمر…
لم تحضر شموس ولا بناتها وتعذرت بحالتها الصحية.. ولكنها كانت مجروحة منهم جميعاً,
كما أنها كانت غاضبة بشدة لتوريطهم رؤوف في تلك الزيجة المشوهة..
تباً , لكل الأموال والأمالك التي ستتسبب في دفن شباب رؤوف بين احضان زوجه عمه ،
التي لا تدري كيف وافقت على استبدل العم بابن أخيه!.
دخل رؤوف إلى البهو وهو يتقآثار نعمات التي كانت تنظر إلى الأسفل ولم ترفع رأسها حتى
بعد أن سمعته يقول:
ـ تفضلي..
ثم أغلق الباب بعد أن دخلت هي, لتنظر إلى الباب بفزع وكأنها لم تستوعب بعد أنها
ستكون معه.. وحيدة.. في بيتها القديم.
_
حاول رؤوف الكلام أو حتى افتعال أي حوار مهذب, ولكنه لم يجد ما يتفوه به.. فما كان
منه إلا أن توجه إلى غرفة المكتب وهو يتمتم بكلام لم يعلم إن كانت فهمته أم لا…
ـ سأراجع بعض الأوراق المتعلقة بالعمل قبل أن آوي إلى الفراش.
ثم تحرك مسرعاً داخل غرفة المكتب ليغلق بابها خلفه, ويستند عليه وهو يلهث وكأن كلمة
فراش قد ذكرته بما هو مطالب به في تلك الزيجة.. حاول تهدئة أنفاسه وهو يتمتم:
“اهدأ يا رؤوف.. اهدأ.. ما بك؟.. ألست رجالً بما يكفي أم ماذا؟”..
وضع وجهه بين كفيه يحاول استرجاع هدوءه, ليخرج إلى زوجته ويحاول اصطناع ثقة لا
يشعر بها ولكنه عليه أن يتقنها, بدلاً من هروبه من أمامها كطفل صغير, أوقف أفكاره
ومحاولاته الواهية صوت باب يغلق فأدرك أنها صعدت لغرفتها لتنام وتعفيه من حرج
الموقف.
_
أما نعمات فقد فوجئت باختفاء رؤوف من أمامها وهو يتمتم بكلمات عن العمل, ثم يتركها
وحيدة في بهو منزلها.. تلفتت حولها قليلًا , لتدرك أن زوجها الشاب فضل اللجوء إلى عمله
عوضاً عن أحضانها, فتحركت ببطء لتصل إلى غرفتها الجديدة وتغلق بابها بصو ٍت مسموع
وبداخلها هي شاكرة لهروب رؤوف منها..
استيقظ رءوف مع أول ضوء للشمس وهو يشعر بتصلب في جميع أنحاء جسده ليكتشف أنه
قضى الليلة على الأريكة في غرفة المكتب مثل كل ليلة من االشهر الذي مضى منذ
5زفافه… حرك جسده قليلاً ليتمكن من النهوض.. ليأخذ حماماً سريعاً ينشط به نفسه ثم
يخرج متوجهاً إلى الشركة..
بينما وقفت نعمات تراقبه من خلف نافذتها كعادتها يومياً… فكان هذا روتينها اليومي منذ
أن تزوجا, واستيقظت في اليوم التالي لزفافهما لتفاجئ باختفاء زوجها من منزلهما, وظلت
_
في حيرة تتساءل عن مكان وجوده حتى سمعت صوت سيارته يعلن عن وصوله إلى الفيلا
وكان ذلك قرب نهاية المساء..
دخل بهدوء ليفاجئ بها في انتظاره, جفل قليلا وقال:
مساء الخير..
أجابته بهدوء:
ـ مساء الخير..
ظال يتبادلان النظرات لفترة وكلا منهما حائر.. ما هي الخطوة التالية!!!… وأخيراً تحرك
رؤوف نحو الدرج وهو يقول:
ـ أنا مرهق للغاية.. وأشعر بالحاجة إلى حمام دافيء..
أما نعمات وجدت نفسها تسأله بحدة لامت نفسها عليها لاحقاً:
_
ـ لم تشعر بالتعب؟.. أين كنت طوال اليوم؟..
تنحنح ليجلي صوته وهو يجيبها ويخفي تعجبه من سؤالها:
في الشركة..
أجابته بدهشة:
ـ ذهبت للعمل!!!..
ذكرته ملامح التعجب المرتسمة على وجهها بملامح عمه وزوج عمته وكل من قابله اليوم
في الشركة, وهم يناظرونه كما لو كان نبت له رأس آخر, أو ظهرت له عين ثالثة.. وذلك
لحضوره إلى العمل في الصباح التالي للزفافه.. ولكنهم كتموا أسئلتهم داخل صدروهم ولم
يذكر أي منهم ما يدور في ذهنه, فالجميع يعلم الطبيعة الشائكة لهذا الزفاف.. ولكن هذا لم
يمنع من صدور بعض التعليقات من غالبية العاملين بالشركة والتي بالطبع وصل معظمها
_
إلى أذنيه إما عن عمد أو لا..
هو الايهتم.. فهو لم ولن يبرر تصرفاته لأحد, أما الأن وهي تلقي إليه بتلك النظرات العاتبة
انتابته رغبة غريبة في الأعتذار لها فقد أدرك الآن فقط أنه أساء إليها بتصرفه ذاك.. خاصة
وأن الأقاويل تتناثر بالفعل حول زواجهما..
أتاه صوتها وهي تسأله لتحبط أي محاولة منه لأعتذار:
هل أعد لك الطعام؟..
أجابها بتلعثم:
ـ أنا جائع بالفعل, فلم يدخل معدتي سوى القهوة والشاي طوال اليو م.
أجابته برقة:
ـ يا إلهي!!.. البد أنك تتضور جوعاً, سأعد الطعام فورا ..
_
أكل في صمت وسرعة غير مبال بما سيكون عليه رأيها في طريقته لتناول الطعام, فهو كان
يريد أن ينفرد بنفسه قليلاً حتى يرتب أفكاره, فهو تعمد إغراق نفسه بالعمل طوال اليوم هرباً
من الأفكار التي تراوده بخصوص زواجه.. وما هو منتظر منه.. والذي تبين صعوبة تقبله
له.. فما بالك بالتنفيذ!!…
دلف مباشرة إلى مكتبه بعد انتهائه من تناول طعامه بعد أن اعتذر منها بكلمات مبهمة..
وظل هذا روتينهما اليومي طوال الشهر المنصرم.. يختفي صباحاً في عمله ويعود ليأكل
ويتبادل معها بضع كلمات وهو يتهرب من عينيها, ثم يختفي في مكتبه حتى الصباح التالي
لتراقب هي انصرافه لعمله من وراء نافذتها..
رنين الهاتف هو ما جعل نعمات تتحرك من خلف نافذتها لتلتقط السماعة وتجيب على
المتصل الذي تبين أنه قمر, التي تخبرها بحضورها إليها ومعها بعض جاراتها اللاتي يردن
_
تقديم التهنئة لها.. حاولت نعمات التملص من تلك الزيارة بكل الطرق, إلا أن قمر كانت
حددت الموعد بالفعل وكان اتصالها لإبلاغ نعمات فقط..
كانت الزيارة كما توقعت نعمات تماماً.. بضعة من النساء الالتي أتين لمشاهدة المرأه التي
تزوجت بابن أخي زوجها والذي يصغرها في السن وأتخذن التهنئة كذريعة ليغتلنها بهمزاتهن
ولمزاتهن.. وتنوعت الكلمات ولكن كان المعنى كله واحد.. فبادرتها السيدة الأولى:
نعمات.. تبدين جميلة.. يبدو أن صحتك تحسنت بعد الزواج..
وترد عليها أخرى:
ـ نعم فهذه ميزة الزوج الشاب القادر.. يعيد للمرأة أنوثتها..
وتسألها أخرى بوقاحة:
ـ هاه؟.. هل تنتظرين حادث سعيد يا عزيزتي؟.. أم مازال الوقت مبكر على ذلك؟..
_
لتهمس لها السيدة الجالسة بجوارها:
ـ أي سؤال هذا!!.. إنها لا تنجب.. هل نسيت ؟!
ثم يرتفع صوت إحدى السيدات بسخرية واضحة:
ـ لقد سمعت أن رؤوف يذهب إلى عمله يوميا , هل سأم الزواج بتلك السرعة؟..
وظلت الأحاديث تتوالى وتدور حول نفس الموضوع طوال مدة الزيارة.. حتى أستأذن
للخروج.. وعندها تنفست نعمات الصعداء.. فأخيرا ستعتق من جلد سياط ألسنتهن.. فإذا
كانت تلك حوارتهن في وجودها, فما هي الأحاديث التي يتداولنها من خلف ظهرها…
أغلقت خلفهن باب الفيلا والتفتت لتجد قمر مازالت جالسة ولم تخرج معهن وأخذت تنظر لها
بتمعن.. ثم فاجأتها بسؤال عجيب:
ـ هل تستقبلين رؤوف كل يوم بهذه الهيئة؟..
_
تعجبت نعمات من السؤال وتأملت ملابسها المتمثلة في جلباب فضفاض أنيق لونه أزرق
داكن مطرز بخيوط فضية وذهبية وحجاب متماثل معه..
سألتها نعمات بدهشة:
ما بها ملابسي؟..
ردت قمر بلهجة ساخرة نوعاً ما:
ـ ليس بها شيء, وتلك هي المشكلة!!..
ازداد تعجب نعمات وهي تسألها:
ـ ماذا تعنين يا قمر؟..
أجابتها قمر بحدة:
ـ نعمات..انتي كنتي زوجه من قبل وتعلمين ما الذي يجذب عين الرجل. ِ
_
شهقت نعمات بقوة, ولكن قمر أكملت:
ـ لما كل هذه الدهشة؟!!.. هل ضايقتك كلمات تلك النساء منذ قليل ؟…
قاطعتها نعمات بذهول:
ـ قمر.. هل تعمدِت إحضار هؤلاء النسوة لكي تإصابة طفيفةيني؟!!.
أجابتها قمر بسرعة:
ـ كلا بالطبع, لم يكن هذا هدفي.. لقد أتيت بهن حتى تسمعي بأذنيك الأقاويل والشائعات المتدوله عنك ِوعن رؤوف.. لا تظني أنني سعيدة بما حدث.. فذلك اللغو يمس العائلة قبل
كل شيء, ولكني أردت أن أفهِك أن الشائعات وكلام الناس لم ولن ينتهي.. فسيظل
زواجكما هو حديث مجتمعنا الصغير لفترة, ولكن ليس معنى هذا أن نعلق تلك الزيجة أو
نوقفها..
حاولت نعمات مقاطعتها, فأسكتتها قمر بإشارة من يدها وهي تقول:
_
_اعلم انهم سببن لك الضيق وانك ترغبين في إسكاتهن وقطع ألسنتهن.. ولكن هذا لن
يحدث إلا بعد أن تنجبي الولد فيبلع الجميع كلماته.. وهذا لن يحدث بالطبع إذا كان رؤوف
يأتي كل مساء ليجد زوجة عمه هي التي تستقبله..
ارتفع صوت قمر قليلا وهي تقول بنبرة خاصة:
يجب أن يجد زوجة في انتظاره, امرأة جميلة مستعدة له.. هل تفهميني يا نعمات؟.ان
كلام الناس لن ينتهي, ولكن أسرار البيوت وغرف النوم لا يجب أن تخرج عن الزوجين..
وتذكري المثل الذي يقول “من يخجل من ابنة عمه, لا يستطيع الإنجاب منها”.
أجابتها نعمات ساخرة:
ـ لكن المثل يقول ابنه عمه, وليست زوجة عمه!!.
ردت قمر بسرعة:
_
ـ فلتنجب هي منه إذا..
سألتها نعمات بذهول:
ـ قمر.. ماذا.. هل… ماذا تقولين؟..
رفعت قمر حاجب واحد وهي تقول:
ـ أقول أنه لا خجل بين الزوجين..
نهضت قمر من جلستها وربتت على كتف نعمات المذهولة لدرجة انعقاد لسانها عن الرد
على قمر.. فانحنت قمر لتهمس في أذنها:
سأتركك لتستعدي لزوجك.. واخلعي هذا الوشاح عن رأسك..
وخرجت قمر من الفيلا تاركة نعمات غارقة في دهشتها, وكلمات قمر تدور في عقلها..
وهي تتخيل نفسها تتزين كزوجة لرؤوف..
_
خرجت الافكار من رأسها على الفور فهي لن تقوم بإغراء زوجها.. زوجها.. ترددت الكلمة في عقلها عدة مرات.. هل أصبحت تنظر لرؤوف كزوج الان؟.. هي لا تنكر أنها أصبحت تجده جذاب نوعاً ما كرجل, وليس كشاب عاصرت مراحل نموه..
ابتسمت بخفة وهي تتذكر ملامحه المذهولة من تصرفها في صباح أحد الايام عنآثارا وجدت نفسها تعدل وضع رابطة عنقه, وكيف سكن جسده عن الحركة وحتى التنفس تحت تحركات أناملها وهي تنتهي من ظبط الرابطة وتمسد على كتفي بذلته بصورة عفوية.. أغمضت عينيها بألم لتبعد تلك الصورة عن ذهنها لكنها فوجئت بصورة ذهنية لها اخترعها خيالها الخصب وهي تتزين وتتغنج لرؤوف.. نفضت رأسها بقوة لتمحي تلك الصورة لكنها وجدت كلمات قمر تعاد في ذهنها مرة أخرى مختلطة بلمزات النساء الالتي كن في زيارتها.. كاد التفكير في التصرف الصحيح أن يفتت لها عقلها من الصداع.. هل تتزين وتغير من ملابسها؟.. أو تظل كما هي؟.. طال بها الوقت وأخيرا اكتفت بملابسها التي ترتديها ولم تقم بتغييرها, فهي لم تخبر قمر أنها تستقبل رؤوف بملابس أقل أناقة من التي كانت ترتديها.. فهي كانت ترتدي أمامه دائماً ملابس عادية وغير متكلفة.. وعبائتها المزركشة تلك تعد تغيير ولو بسيط, وقررت أنها ستتخذ قرارها في تعديل سلوكها نحوه بناء على ردة فعله حول ذلك التغيير… وحان المساء وقت عودة رؤوف, فأعدت المائدة كالعادة, وانتظرته في البهو.. وبعد عدة دقائق سمعت صوت الباب يغلق معلناً عن وصوله… ليدخل ويلقي تحية المساء ويتجه نحو المائدة قائلًا: ـ أنا جائع للغاية, سآكل أولًا.. ثم سأغتسل بعد ذلك. وجلس يتناول طعامه في سرعة كعادته.. حتى انتهى وتوجه مسرعاً إلى االاعلى ليغتسل بدون أن يبدي أي ملاحظة على مظهر نعمات التي كانت تتميز غيظاً منه ومن تجاهله لمظهرها.. فنزعت الوشاح من فوق رأسها بحركة عنيفة.. وحركت رأسها بقوة لتنفض خصلا تها الحمراء وتحررها لتنسدل على كتيفيها, وتحركت نحو الطابق الاعلى ودقات قلبها تكاد تصم أذنيها ..
خرج رؤوف من حمام الغرفة بعد أن أخذ حمام سريع, ليفاجيء بدخول نعمات في نفس اللحظة.. فتوقف عن تجفيف شعره بالمنشفة وهو يحدق بها وهي واقفة على العتبة لا تتحرك.. ولكنها تتنفس بسرعة شديدة ولكن ما لفت نظره هو شعرها.. فخرجت الكلمات من فمه قبل أن يفكر: ـ
شعرك!!..
سألته وهي تتحسس خصالتها: ـ ماذا به؟.
. فأجاب ببالهة: ـ أحمر!!..
حدقت فيه بتعجب وبادرته بالسؤال: ـ نعم.. إنه أحمر كما كان طوال حياتي.. الا تحب الشعر الاحمر؟!!..
حدق بها بتعجب ولم يعرف بما يرد عليها.. فهل لون الشعر قابل للحب؟.. ما هذا الهراء.. كيف للرجل أن يحب لون الشعر؟!!!.. ما الذي يفرق لون عن غيره؟!!.. نظر إليها فوجد أنها ما زالت تنتظر اجابته.. فنطق بكلمات لم يتبين غبائها الا بعد أن سمعها: ـ هاه.. لا أعرف.. لم أفكر في ذلك.. فأنا لم أر الا شعر أمي وكان لونه أسود.
شهقت بدهشة: ـ ماذا؟!!.. والدتك!!.
شعر بغرابه الموقف, واراد تلطيف الجو قليلًا, فقال بسرعة:
_
ـ ولكن اللون األحمر جيد.. إنه جيد.. ت
متمت بخيبة أمل: ـ جيد
! تحرك رؤوف سر يعاً منهياً الموقف المحرج الذي وجد نفسه عالقاً به, واعتذر متعلالً بعمله للمرة الالف.. أما نعمات فكانت تعصف بها مشاعر شتى.. من الاحراج والانفعال والخجل.. وسعادة خفية لانها استطاعت أن تخطو خطوة نحو زوجها, حتى لم تنال النجاح الذي آملته, ولكنها تعتقد أنها البداية لشيء ما, فإذا كان التفت إلى لون شعرها فهي يجب أن تطرق الحديد وهو ساخن وتستغل دفقة الشجاعة التي تسري في عروقها الان.. فبدلت عباءتها الفضفاضة بفستان ذو مظهر خادع فهو يبدو أنيق ومحتشم ولكنه يرسم ملامحها الانثوية بوضوح… واتجهت إلى غرفة المكتب حيث وجدت رؤوف يضغط على رأسه بقوة محاولاً التحكم في ألم رأسه..
وصله صوتها هامساً: ـ ماذا بك؟.. يبدو على ملامحك الالم..
سؤال بسيط.. يحتاج لاجابة بسيطة, ولكنه عاجز عن الرد.. ظل يحدق فيها بدون أن يصدر أي استجابة تدل على أنه يفهم ما تقول, فعقله كله انتقل إلى عينيه اللاتين كانتا تحدقان فيها بذهول.. فهو لاول مرة منذ زواجهما يراها بتلك الثياب التي تفسر ولا تخفي.. ولم يعجبه الاحساس الذي سرى في جسده.. إحساس غريزي بحت.. من رجل نحو امرأة.. امرأة تحاول لفت نظره إليها.. أعادت نعمات سؤالها مرة أخرى:
ـ رؤوف.. هل تشعر بألالم؟
.. حدق بها ببهاله عدة لحظات.. ثم وجد صوته بعد لحظات:
ـ أشعر بصداع شديد.. وجاء ردها: ـ بالطبع تشعر بالصداع, فأنت تعمل بلا إنقطاع.. ونومك على الاريكة كل ليلة يزيد من تشنج عضلاتك.. وتحركت لتقف خلف كرسي مكتبه وهي تقول:
ـ هيا.. سوف أقوم بعمل تدليك لعضلات عنقك سيساعدك على الاسترخاء.. وأقرنت قولها بتحريك يديها على كتفيه وهي تمسد له عضالت كتفيه وعنقه.. وأخذت أصابعها تتحرك في حركة دائرية رتيبة.. وعنآثارا بدأ يشعر بقليل من الراحة سمعها تهمس: من الافضل أن تصعد إلى الغرفة حتى تتمدد جيدا ـ واتمكن من تدليك عضالتك متشنجة جدا كما يجب.. تمسكت بيده فوقف معها وصعدا معاً إلى غرفة نومهما.. وهناك أشارت للفراش قائلة:
ـ هيا تمدد حتى أستطيع منحك تدليك كما يجب.. استلقى رؤوف على بطنه وشعر بحركة أناملها تتجول على ظهره لفترة, ولكن سرعان ما جاء صوتها هامساً بحرج: ـ أعتقد أنه سيكون من الاسهل لو خلعت قميصك!!..
_
نفذ رؤوف ما طلبته منه في صمت وهو مدرك أن الامر يتخطى التدليك البسيط.. وعادت نعمات لتجلس بجوار رؤوف وبدأت في تمسيد ظهره بنعومة ورقة.. شعر رؤوف بحركة أناملها البطيئة تتجول على ظهره لتمنح عضالته المرهقة الراحة المنشودة.. وبدأت عضالته رويدا تحت ضغط أناملها.. تسترخي رويدا فأطلق تنهيدة راحة من أعماق صدره, وسمعها تسأله:
ـ هل آلمتك؟
.. رد عليها بسرعة: ـ لا… لا تتوقفي.. فأنا أشعر براحة كبيرة
.. ابتسمت ولم تجبه وهي تتأمل عضالته البارزة التي توحي بقوة ورجولة بدأت تشعر بتأثيرها واغواء..
شعر هو بتغيير لمساتها وبدأت قطرات خفيفة من العرق تنضح على جسده
فتوقفت نعمات عن تمسيد عضالته عنآثارا أدركت أنه شعر بما انتابها, فسألها بصوت مكتوم: ـ لم توقفتي ؟
لم يسمع ردها ولكنه شعر بعد لحظات بشفتيها تلامس ضهره برقة.. فانتفض بقوة وانقلب على ظهره وعينيه تواجه عينيها التي ظهر بها رغبتها في إتمام زواجهما.. وتأكد من ذلك عنما شعر بأصابعها تداعب خصلات شعره برقه وهي تميل برأسها لتقبله على شفتيه تحية رقيقة.. شعر بها كهمسة خفيفة.. فتحركت يده خلف عنقها ليجذب رأسها إليه ويعمق من قبلتهما.. وهي تزيد في احتضانه تخبره بلمساتها أنها مستعدة لتبدأ حياتها الجديدة معه..
فتح رؤوف عينيه متململاً من آشعة شمس الصباح, ولكنه وجد محيطاً مختلفاً عما يقابله كل صباح.. فأخذ يرمش بجفنيه محاولاً ليتبين أنه استيعاب مكان تواجده, ورفع أرسه قليلا كان يتوسط صدر نعمات التي كانت نائمة بين ذراعيه في هدوء.. فتوجهت أنظاره إلى جسده الذي كان عارياً تماماً, فأصابه الذعر مما رآه وقفز من الفراش بسرعة وهو يبحث عن ملابسه ويرتديها كيفما كان.. كان انتهى من ارتداء سرواله, عنآثارا واجهته عيني نعمات وابتسامة محرجة على وجهها.. وهي تقول بهمس: ـ
صباح الخير
.. جلس رؤوف على حافة الفراش بتهالك وهو ينظر إليها ويهمس لها معتذ راً: ـ أنا.. أنا.. آسف.. أنا
_
تحركت نعمات على الفراش وهي تلف مفرش الفراش حولها لتضع أصابعها على شفتيه: ـ
لاتعتذر.. أنت زوجي الان .. وهذه حياتنا ويجب أن نبدأها كما يجب… واقتربت أكثر وهي تضمه إليها..
الفصل الخامس
دخلت شموس إلى الغرفة بهدوء ظاهري لا يعكس الانفعاالات التي تموج بداخلها.. ففي النهاية هما ضيفتان في بيتها, ومن الواجب عليها الترحيب بهما… قالت بهدوء وهي تحيي قمر رغم الغصة في حلقها:اهلا بيك يا قمر وتوجهت لنعمات لترحب بها بالمثل: ـ أهلاً بيكي
كانت تعرف أنه ترحيب فاتر ولكنها لم تستطع أن تفعل أكثر من ذلك.. فكيف يمكنها الترحيب بها وهي ستكون… ابتلعت غصتها بضيق وهي تدعوهما إلى الجلوس وتسألهما عما تودان تناوله وتلقي كلمات الترحيب المعتادة.. ولكن كان ذلك يتطلب منها مجهودا
استشعرت قمر ذلك فبادرت بالسؤال: ـ كيف حالك يا شموس؟.. وما هي أخبار البنات؟..
أجابت شموس باقتضاب: ـ بخير..
عادت قمر تحاول صبغ بعض الودية على الحديث: ـ وكيف حال أخي, هل تواجهه أي مشاكل في العمل؟..
أجابت شموس باختصار:
ـ كل الامور على خير ما يرام
_
. ارتأت قمر الدخول في الموضوع مباشرة بعد ردود شموس المقتضبة: ـ أين العروس؟
.. أجابتها شموس بانفعال مكتوم: ـ موجودة.. ستأتي حالا ..
قالت جملتها وهي ترمق نعمات بقهر عجزت عن اخفائه, فهي رفضت أن تكون نعمات زوجة ثانية لعبد السالم لتدور عقارب الزمن خمسة عشر عاماً وتصبح نور القمر ابنتها زوجة ثانية لرؤوف زوج نعمات.. آه.. إن الغيظ والقهر يإيذاءانها إيذاءاً.. كانت لتكون أسعد أم على وجه الارض لو جاء رؤوف خاطباً لابنتها.. ولكن بدون تلك الزوجة التي تكبره بخمسة عشر عاماً وتكبر ابنتها هي بخمسة وعشرين عاماً أو أكثر.. إن نعمات في عمر يكفي لتكون أم لنور القمر وليس ضرة لها.. أي منطق هذا؟.. وكيف ستتعامل ابنتها مع ذلك الوضع الغير طبيعي بالمرة.. ـ لك الله نورا يا ابنتي.
هذا كان تفكير شموس بينما كانت نعمات صامتة في وجوم.. فما المفترض بها قوله وهي ذاهبة لكي تخطب لزوجها!!!… ولكنها وجدت أن سكوتها هذا سيؤخذ عليها خاصة مع نظرات شموس المسمومة نحوها..
فتنحنحت كي تجلي صوتها وهي تخاطب شموس: ـ أعتقد أنك تملكين فكره جيدة عن سبب وجودنا الان.. فلا داعي للمقآثارات.. فنحن يسعدنا التقآثار بطلب يد الانسة نور القمر ابنتك.. لرؤوف…
صمتت قليلا ثم أردفت: ـ زوجي..
قاطعتها قمر بحسم: ـ ابن عمها… نحن نطلب يد قمر الصغيرة.. لرؤوف ابن عمها… صمتت شموس بقهر وهي تستعيد في ذاكرتها ما حدث منذ عدة أيام ودخول عبد السلام عليها وملامحه ترتسم عليها تعبيرات ذكرتها بأحداث مضى عليها خمسة عشر عاماً.. وهو يطلب منها في خفوت أن تصطحبه لحجرتهما ويزف إليها خبر كان من الممكن أن يسعدها لو اختلفت الظروف والاحداث.. وهو طلب رؤوف الزواج من نور القمر ابنته الوسطى.. كان وقع الخبر صاعق على شموس التي عقدت الدهشة لسانها عن التفوه بأي كلمة..
فأردف عبد السلام: ـ لقد فاتحني أبي اليوم في الموضوع.. وأبلغني برغبة رؤوف في الزواج من نور القمر.
صمت قليلاً يتأمل وقع الخبر على شموس التي لم تتفوه بكلمة حتى هذه اللحظة.. فاستطرد بخفوت: ـ ستأتي أختي قمر مع نعمات لمقابلتك بعد يومين.. هنا انطلقت صرخة شموس بلا اراده منها: ـ ماذا؟!!!… نعمات!!!!… هل سيبقيها على ذمته؟. رمقها عبد السلام بعتاب وهو يقول:
ـ وهل نطالبه بطالقها بعد كل تلك السنوات؟!.. هل عهد ِت الخسة في تصرفات رجال الجيزاوي؟..
_
تهالكت شموس على أقرب مقعد وهي تقول بحيرة: ـ أنا لا أفهم…لا أفهم.. ماذا يحدث يا عبد السلام؟.. لماذا يطلب رؤوف الزواج من نور القمر ابنتي؟
… صمت عبد السلام للحظات سمح فيها لشموس بتأمل مالمحه التي تعشقها والتي أخبرتها بوضوح ما يعجز لسانه عن البوح به.. فقالت بلهجة تقريرية: ـ إن عمي ما زال يبحث عن وريث لعائلة الجيزاوي.. والمطلوب من ابنتي الان تقديم ذلك الوريث, بل القبول برجل متزوج لتنجب منه ذلك الوريث..
زفرت بضيق شاركها إياه عبد السلام وهي تضيف: ـ أي ظالم أنت يا عمي!!.. ألن تكف عن التلاعب بمصائر الجميع؟.. نهرها عبد السالم بتخاذل: ـ شموس!!.. لا تتجرأي على والدي.. لن أسمح بهذا أبدا عليه.. كما أن رؤوف رجل لا غبار عليه وزوج تتمناه أي فتاة.
ردت عليه شموس بسرعة: ـ تقصد رجل متزوج لا غبار عليه..
تجاهل عبد السلام كلامها وهو يقول: ـ استدعي نور القمر حتى أبلغها بخطبتها لابن عمها.
رمقته شموس بدهشة, فكرر طلبه بلهجة حازمة لم تعتدها منه: ـ استدعها الان…
عادت من زحمة ذكرياتها على صوت نعمات وهي تسأل بتململ: ـ لقد تأخرت العروس حقاً.. ثم أردفت بأمل: ـ هل هي معترضة على الزواج؟..
فأجابتها قمر بسرعة بدون أن تترك فرصة لشموس للرد: ـ كلا بالطبع.. ما هذا الكلام يا نعمات؟!!.. وهل ترد إحدى بنات الجيزاوي ابن عمها؟!!.
ابتلعت نعمات غصتها وهي ترمق قمر بقهر.. قمر التي أقنعتها منذ خمسة عشر عاماً بالزواج من رؤوف.. وطاوعتها نعمات جرياً و ارء حلم تبين فيما بعد أنه سراب خضعت وامتهنت كرامتها حتى تشبع رغبتها في الامومة وتنجب الابن الذي تنتظره عائلة الجيزاوي بأكملها… ولكن الحلم لم يتحقق.. أو بمعنى أشمل لم يتحقق لنعمات سوى جزء بسيط من حلمها.. فهي أشبعت رغبتها الدفينة بالامومة.. ولكن وجهت أمومتها لرؤوف.. فمنحته حنانها كزوجة وأسبغت عليه عاطفتها كأم.. أغرقته بحنانها وحبها وعطفها حتى تعلق بها بشدة.. وتكاد تجزم أن لها مكاناً في قلبه.. رغم أنه لم يصرح بذلك.. وهي لا تعتقد أنه ممكن أن يصرح بعواطفه لاياً كان, فهو ربيب عبد الرؤوف الجيزاوي الذي لا يؤمن بتلك النوعية من العواطف.. ورؤوف هو نسخة مصغرة من جده.. في الافكار والتصرفات والمعتقدات وكل شيء.. إنه ابنه أكثر من كونه حفيده..
عادت تتأمل قمر.. تلك الداهية العبقرية التي أقنعتها بالقدوم معها لتطلبا يد نور القمر الصغيرة للزواج من رؤوف.. مخبرة إياها أن ذلك يحسن العالقات ويكسر التوتر مستقبلاً.. وهي اقتنعت بكلامها.. أو أوهمت نفسها بذلك.. فهي أتت في المقام الاول لتتأمل غريمتها الصغيرة.. لتنظر في عينيها وتخبرها بالنظرات قبل الكلمات…. حتى الابنة عمه الصغيرة.. وحتى لو أنجبت تلك لكاً لها ولن تتنازل عنه أبدا أن رؤوف مِ الصغيرة الحفيد المنتظر.. فمن ينتظره هو عبد الرؤوف كبير العائلة.. لكن رؤوف سيتزوج من نور القمر استجابة لطلب جده فقط.. هي فهمت منه ذلك… رغم عآثار تصريحه لا يصرح الا بالقليل الذي يدور في عقله وبما بكلمات كثيرة.. فرؤوف قليل الكلام دائماً وأبدا يكفي القناع من أمامه بما يريد… آه يا رؤوف.. هي لا تدري لما اختار نور القمر, رغم أنها الوسطى وليست كبرى بنات عبد السلام.. ولكنها تحمد الله على ذلك فهي لا تحتمل اختياره لسهير.. تلك الشقراء رائعة.. أما نور القمر فهي أقل جمالا من شقيقتها.. القوام.. هي لن تستطيع منافستها أبدا وقد يطول في أحيان فهي سمراء صغيرة الجسم.. بالا ضافة إلى لسانها الذي لا يسكت أبدا كثيرة, وتلك صفة يمقتها رؤوف بشدة ولكنه طبعاً لا يعرفها عن ابنة عمه الصغيرة.. وهي حرصت على الا يعرفها حتى تظل لها هي الافضلية التي تمنحها لها رقتها وحالوة لسانها وهدوئها معه وعآثار مجادلته في أي شيء.. لا تتذكر أنهما اختلفا أو تشاجرا على مدار سنوات زواجهما الخمسة عشر.. فقد حرصت على توفير بيئة هادئة ناعمة له.. تشعر في أعماقها أنها تعوضه عن زواجه منها والذي لم يثمر الوريث الذي ضحى من أجله باختيار الزوجة التي تناسبه على الاقل عمرياً… أفاقت نعمات من شرودها على تحرك شموس وهي تتمتم أنها ستذهب لكي تأتي بنور القمر…
_
طرقت شموس باب غرفة نور القمر أو نورا كما تحب أن يدعونها: ك منذ يومين.. ـ نورا.. حبيبتي.. افتحي الباب.. هذا لا يصح..انتي تحبسين نفسك في غرقتك. منذ يومين…. يجب أن تخرجي الان لعمتك
فتحت نورا الباب بقوة وهي تقول: ـ ومن يا أمي؟.. وخالتي نعمات.. أو هل أقول ضرتي؟..
فجأة ظهر من خلفها عبد السلام ودفع ابنته لداخل غرفتها وهو يحاول التحكم في انفعاله منها فهي وعلى غير عادتها لم تنبس بكلمة منذ أن أخبرها بطلب رؤوف, بل حبست نفسها في غرفتها رافضة التحدث في الموضوع مع أي شخص أو إبداء رأيها حول الموضوع وحتى عمتها قمر التي تعشقها لم تستطع الدخول إليها أو إجراء أي حوار معها.. ـ ماذا تنوين أن تفعلي يا ابنة شموس؟
. صرخت بحنق: ـ أبي
.. قاطعها: ـ نعم.. ابنة شموس.. فابنة عبد السلام لا تحرجه ولا تخفض رأسه في التراب أمام أبيه..
قالت بغيظ: ـ وهل قبولي بأن أكو ن الزوجة الثانية يرفع من رأسك يا أبي؟..
ـ بل تفضيلك لمصلحة العائلة يا نور القمر.. وقبولك طلب ابن عمك
علمت نورا أن والدها غاضب بشدة فهو يناديها نور القمر فقط عنآثارا يانفعال منها..
فحاولت استرضائه قليلاً:
أبي.. إن جدي هو من أمر رؤوف بذلك.. أنت تعلم ذلك كما أعلمه أنا..
_
أمسك عبد السلام بيدي ابنته وجذبها لتجلس على الاريكة بجانبه:
ـ حبيبتي.. لقد فات الوقت الذي كان يستجيب فيه رؤوف الاوامر جده بلا نقاش.. فال تخشين أن يكون الزواج منك مفروض علي رؤوف .. فلا تفكري بذلك .. لانه لو كان صحيح لكان طلب سهير لانها الكبرى .. .. أليس كذلك؟.. سأترك لتستعدي وتخرجي لضيوف
وجدت نورا نفسها تستعد مثلما طلب منها والدها الذي لا تستطيع كسر هيبته ووقاره في بيته وترفض مقابلة ضيوفه ولكنها ظلت تفكر في كلامه والذي كان يشغل بالها على مدار اليومين االخريين.. لماذا طلب رؤوف الزواج منها وليس من سهير؟.. هل يعقل أنه يعلم بالحب المتبادل بين سهير ومنذر ابن عمتها قمر؟.. ولهذا ابتعد عن سهير.. ربما.. رغم أنها تشك في أن يكون على معرفة بتلك الامور الارضية السخيفة.. فهو يبدو دائما متباعدا الجميع, مشغولا ً بأعمال العائلة على الدوام فلا يجد وقتاً لإلطلا ع على شئون أفرادها.. لكن لعل منذر أسر إليه بحبه لسهير.. لكن كيف ومتى؟.. كل شيء ممكن
.. أكملت استعدادها ومازال تفكيرها معلق به.. إنهم يلتقون برؤوف بالطبع في التجمعات العائلية.. ولكن لا يختلطون معه ًكثيرا .. فهو يدور في دائرة الاعمال مع جدها ووالدها أكث من اختلاطه بباقي شباب العائلة.. لذا لم يكن احتكاكها به عميقاً.. فهو كان دائماً حلم بعيد المنال ولكنها لا تستطيع نسيان ذكرى عينين خضراوين اعدم عدالةتا بشدة للحظة واحدة وهما تتأمالنها عن قرب.. هل يمكن؟ هل..؟..
دخلت عليها أمها تستعجلها.. فوجدتها ارتدت ثوباً بسيطاً ومحتشماً للغاية.. ولم تضع أي
مساحيق تجميل على وجهها كما أنها جمعت شعرها الاسود الغجري الطويل في كعكة كبيرة خلف رأسها… فصاحت بها شموس: ـ ما هذا؟.. لماذا لم تتزيني؟..
.. قالت نورا بصوت مكتوم:.. ـ أمي.. أرجو ِك.. هيا لننتهِ من تلك المسرحية
رمقتها أمها بتفهم وهي تسأل نفسها: ـ ماذا تدبرين يا ابنة الجيزاوي؟… تلك النظرة الغير متزنة في عيني الاطلاق
.. دخلت شموس الغرفة وهي تسحب نورا خلفها..
فرفعت نعمات عينيها على الفور لتتأمل غريمتها في هدوء.. فتاة صغيرة الحجم أشبه بالآثارية الصغيرة, شعرها الاسود الطويل والذي تعلم نعمات إنه يصل إلى نهاية ظهرها جمعته في صرامة خلف رأسها.. وجهها صغير ككل شيء فيها.. تتمتع بشرتها بلون برونزي جذاب وعينيها -وهما أكبر ملامحها- عينين ذهبيتين أو لهما لون العسل لم تستطع التحديد.. لكنهما تشعان بالتحدي والتمرد.. كانت نور القمر مثل الروح المتمردة.. الروح الشابة.. فكرت نعمات للحظة.. إنها كانت تخدع نفسها بظنها أنها أقل جمالاً من شقيقتها الشقراء.. إنها جميلة بطريقة أخرى.. جمال شرقي متفرد.. قطع تأملها صيحة قمر المبتهجة وهي تسحب نورا لاحتضانها وتعاتبها بلطف:
_
ـ هل تتغلين علينا يا نورا؟… أم هو حياء العروس؟..
ضحكت نورا بخفة وهي تحتضن عمتها:لقد افتقدت كثيراً يا عمتي.. ـ لقد ثم مالت لتهمس في أذنها: آسفة لانني لم أستقبلك الامس ولكن كان ينبغي علي التفكير بدون تدخل قدرتك الفائقه على الاقتناع
. ربتت قمر على كتف بنت أخيها بحب وهي تقول:
ـ أتمنى أن تكوني وصلتي للقرار السليم ..
ارتفع صوت نعمات وهي تقول: ـ مرحباً بالعروس.. ألن تسلمي علي؟
تحركت رأس نوار ببطء لتلتقي عينيها بعيني نعمات.. تبادلتا النظرات لفترة.. قد تكون ثوا ٍن.. ماً أو دقائق ولكنهما شعرتا بها سنوات.. ظهر التحدي في نظرات نعمات.. ربما رغما عنها ولكنها كانت طريقتها في مهاجمة غريمتها لتخبرها بصمت أنها لن تتنازل أو تترك لها الساحة لتتنعم بالسعادة مع رؤوف.. وبدورها استقبلت نورا تلك النظرات باستخفاف أجادت تزييفه وكأنها تصرح بعآثار اهتمامها الخوض في تلك الحرب التي تدعوها لها نظرات نعمات أو ربما تترفع عن خوضها لثقتها في الفوز.. وخاصة إذا كانت ستحمل الوريث بين أحشائها.. برغم أن نعمات هي من بدأت تحدي النظرات إلا إنها كانت البادئة في خفض نظرها وكأنها أدركت فجأة ضعف موقفها أمام نظرات غريمتها الشابة والتي تضج بالحياة والتمرد..
بعد أن كسرت نعمات حبل النظرات الممتد.. حيتها نورا في هدوء ثم اختارت أقرب كرسي للباب وجلست عليه وهي تحاول التركيز على الحوار الدائر بين النسوة الثالثة, وكان المجهود المبذول للحفاظ على ودية الحوار ملحوظاً وبشدة.. حتى بدأت عمتها قمر تصل للموضوع الرئيسي والغرض من تلك الزيارة فقالت لشموس بلهجة تقريرية: ـ
سيأتي أبي ورؤوف لمقابلة عبد السلام رسمياً ليحددوا موعد الزفاف.. فانتفضت نورا في مكانها وكأنما لدغها ثعبان سام, لتخرج الكلمات منها بسرعة وبدون تفكير: ـ ولكنني لم أوافق بعد.. سقطت العبارة عليهن جميعاً كالصاعقة ولكنها كانت صاعقة مبهجة لنعمات التي ظنت أنها تخلصت من تلك السمراء الصغيرة صاحبة العيون بلون العسل الذائب والتي يتراقص التمرد والتحدي فيهما.. لكنها شعرت بالروح تنسحب منها عنآثارا أكملت نورا بثقة: ـ
أعني.. أنني أريد الحديث مع رؤوف حتى نسوي بعض الامور, قبل أن أعلن عن رأيي..
كان رؤوف ينفث دخان سيجارته بعصبية وهو ينظر في ساعته للمرة المليون بتلك الليلة منتظرا ً عودة نعمات مع عمته.. ما الذي يؤخرهما هكذا؟.. إنها زيارة ودية فحسب.. فكل الامور سيسويها هو مع عمه وجده..
_
لا يعلم لماذا رافقت نعمات عمته قمر في تلك الزيارة.. لكنها أخبرته أنها تفعل ذلك حتى تكسر حدة التوتر وتظهر لنور القمر الترحيب بها داخل أسرتهما الصغيرة.. وأنها لا تمانع على الاطلاق في كونها ستشاركها زوجها لانها تتفهم حتمية زواج رؤوف مرة أخرى.. ورغم كل كلامها ذاك.. إلا أنه شعر بإصابة طفيفةها العميق الذي تحاول اخفائه تحت ستار قوة واهية..
إنه لا يريد إصابة طفيفةها أو ايذائها.. وقد حاول حمايتها كثيرا ً على مدى السنين الماضية من التعرض لنفس المعاناة التي مرت بها سابقاً مع عمه.. فجده يسعى القناعه بالزواج مرة أخرى منذ سنوات..
فبرغم كل شيء لم يرزق رؤوف بأطفال منها… مع أن التحاليل الطبية أثبت قدرتهما على اإلنجاب إلا أنه لم يحدث.. ورغم كل محاولات العلاج المستمرة.. والادوية التي تناولتها نعمات مع علمها بعآثار وجود أي عيب بها ولكنها لم تمانع في المرور بسلسلة طويلة من العالجات والنظم الغذائية أملاً في انجاب الوريث.. وعنآثارا قر ار أخيرا ً اللجوء للوسائل الصناعية كان الاوان قد فات..
والان .. بعد خمسة عشر عاماً وبعد ان استحال على نعمات توفير الوريث… دارت الدوائر لتعود القصة من البداية.. ورحلة البحث عن وريث يحمل الشعلة من بعده ويكون وجوده كفيلاً باستمرار اسم الجيزاوي .. تلك الرحلة الذي أخذ يؤجلها لسنوات رغم تأكده من حتميتها فهو لا يختلف مع جده في تلك النقطة, الا أنه قاومه على مدى السنين الماضية محاولاً تأجيل المحتوم..
أن داعب جده هاجس خفي داخله.. شيطان يوسوس له في بعض الاحيان.. بأن الموت قد يكون قريباً.. متربصاً به.. لتنتهي سيرته في الحياة شاباً في مثل أبيه وعمه.. هذا الهاجس الذي كان يهاجمه كثيرا في الاونة الاخيرة لقرب بلوغه الخامسة والثالثين..
تحرك ليقف قرب النافذة بتململ وهو يتناول لفافة أخرى ليشعلها ويتأمل دخانها.. ليعود بتفكيره لحواره مع جده: ـ رؤوف.. يا بني.. إلى متى ستتهرب من ذلك الموضوع؟.. لقد سأمت مراوغتك..
ـ إنني لا أراوغ يا جدي.. ولكني أفضل أن أؤخر تلك الخطوة قليلا
رمقه جده بتفحص فهو يعلم طريقه تفكير حفيده الذي نضج ونضج معه تفكيره وقدرته على التلاعب بجده كما يظن.. وهو متأكد من أنه سيراوغه كالعادة ولن يحسم الامر أو يتخذ قرار, فقرر أن يقسو عليه وليكن ما يكون.. ورغم بغضه لما سيقول ولكن هذا لمصلحته:
ـ تؤخرها إلى متى؟.. الاترغب أن ترى أبنائك حولك؟.. وهل تضمن الحياة وتقلباتها؟.. أم تفضل أن يأتي ابنك ولا يجدك حوله؟
.. كانت جملة الجد كلكمة قاسية وغادرة في نفس الوقت.. صوبها بدقة إلى أقسى مخاوف رؤوف.. فرمق جده بعتاب وهو يقول: ـ الاعمار بيد االله يا جدي..
_
ونعم باالله يا بني.. ولكن لماذا تحارب المحتوم.. زواجك مرة أخرى موضوع محسوم.. لماذا التأجيل؟.. لم يجد رؤوف إجابة مقنعة يرد بها على جده.. فرد عليه بمراوغة: ـ حتى لو وافقت.. فمن تلك التي ستوافق على رجل متزوج؟.. يجب أن يكون سبق لها الزواج من قبل
.. ثار جده في وجه بقوة: ـ ما هذا الكلام الفارغ؟.. لماذا تبخس نفسك حقها؟.. أنت رؤوف الجيزاوي.. أي فتاة في
مدينتنا تتمناك زوجاً لها.. أم أنت تهدف من ذلك المحافظة على مشاعر زوجتك؟.. حتى لا
تكون للزوجة الجديدة ميزة إضافية عليها؟..
تململ رؤوف بضيق من الاتجاه الذي بدأ يتخذه الحوار فنهض يتحرك بعصبية في الغرفة وهو يقول:
ـ كلا يا جدي.. ولكني.. سأعرض من سأتزوجها للعدم عدالة والمعاناة.. فليس من العدل أن تبدأ أي فتاة صغيرة حياتها بصراع مع زوجة أخرى… لا أشعر بالرضا عن ذلك
.. قاطعه جده بحزم: ـ رؤوف.. توقف عن المراوغة.. إننا لن نخدع أي فتاة ونزيف وضعك.. فمن ستوافق ستكون على دراية تامة بكل شيء.. في الواقع.. أنا أفكر في إحدى بنات عمك.. فهن أحق بك.. أنت بكل تأكيد ستحافظ علي من تختارها منهن.. بنات عمه!!!…
كانت الفكرة صاآثارة لر ؤوف.. هل اختار جده بالفعل؟!!.. ورغم كل اعتراضاته على الزواج من فتاة في مقتبل العمر يقرر جده عنه مرة أخرى.. ومن؟!.. واحدة من بنات عمه!!!.. وجد لسانه يردد بلا وعي: ـ بنات عمي!!!.
ـ نعم.. فكر.. وقرر.. أيهن تريد.. سهير أم نور القمر؟
. نور القمر.. ومضت في عقله ذكرى خاطفة لعاصفة منطلقة من الشعر الاسود الغجري
_
تحتوي جسد ضئيلا كاد أن يتهاوى على درجات السلم الداخلي لبيت عمه لولا سرعة بديهته
بالامساك بها قبل أن تسقط.. لتلتقي عينيه بعيون ذهبية.. نارية النظرات وتفلت من بين ذراعيه في لحظة ملتفة حول نفسها مما جعل عاصفة الشعر المعطرة برائحة التوت البري ترتطم بوجهه بحدة محبب.. جعله يغمض عينيه لثانية واحدة اختفت فيها تلك النارية المتوهجة من أمامه ولم يسمع سوى صوت صياحها من بعيد وهي تخاطب إحدى شقيقاتها بحدة..
-نور القمر!!!!.
سمع صوت جده يسأله: ـ هل هذا سؤال أم قرار؟..
انتبه إلى جده فقال: ـ ماذا؟!.
ـ لقد قلت نور القمر ولكن بنبرة غريبة.. فلم أتبين إن كنت قررت أن تتخذها زوجة أم تسألني رأيي؟.
عادت ذكرى تلك العيون المتلأ لئة والشعر الغجري تداعبه
فقال بثقة: ـ بل نور القمر من أريدها زوجة.. انتشل رؤوف نفسه من ذكرياته بصعوبة بعد أن سقط رماد لفافة السجائر على أصابعه فأحرقها.. نفض الرماد بسرعة وهو يسخر من نفسه متسائلا إذا كان قد أشعل حرباً بقرار ه
الزوج من نور القمر!!!… وهل سيعرف منزله الهدوء بوجود تلك النارية بين جنباته؟… وهل يستطيع التفسير إذا ما سئل لما اختار الوسطى بينما الكبرى لم تتزوج بعد؟! إنه يحمد ربه ان جده اكتفى بموافقته على الزواج ولم يسأله لم وقع اختياره عليها.. فهو لا يستطيع التفسير لنفسه, فكيف بحق الله يمكنه أن يفسر لجده؟.. أنقذه من التفكير دخول نعمات عليه المكتب, وتعجب من عآثار ملاحظته لوصولها رغم وقوفه بالنافذة المطلة على مدخل المنزل.. فبادرها متسائلا:
ـ مساء الخير يا عزيزتي.. لما كل هذا التأخير؟
_
.. رمقته بقهر وهي ترد:
ـ وهل قلقت علي؟ ؟.. أم تريد الرد على طلبك؟..
اقترب منها في هدوء ليحتضنها برقه ممسدا بأصابعه على وجنتها:
ـ هل هذه غيرة؟..
راوغته بإجابتها فهي لن تصرح بغيرتها أو عواطفها مادام هو يخفي مشاعره ويحيطها بسياج صلب: ـ وهل يجب أن أغار؟
. زاد من احتضانها وهو يطبع تحية رقيقة على شفتيها:
ـ ال داعي للغير..فانتي تعرفين معزتك وقدرك لدى ..
ابتعدت عنه قليلا وهي تفكر بحزن.. آه يا رؤوف.. هل أنت لا تعترف بالحب فعلا فلا
تصرح به.. أم أنت ببساطة لا تستشعره تجاهي؟…
ردت نعمات وهي تداري حزنها: ـ نعم أعلم..
_
-اذا لماذا كل هذا التأخير ؟
أجابته بغيظ لم تستطع إخفائه:
ـ تأخرنا بسبب انتظارنا لــ”ست الحسن” حتى تتكرم علينا وتخرج من غرفتها.
نظر إليها مصدوماً.. فتداركت نفسها وهي تغتصب ضحكة مفتعلة وتقول:
ـ إنني أمزح فحسب.. لا تهتم.. ولكنك تدرك.. عروس وتتد لل ..
ثم استطردت بحنق:
ـ من حقها..و اذ كنت تنتظر ردا حامسا… فاسفه
قاطعها ببرود وهو يهمس من بين أسنانه: ـ هل رفضت؟
.. رمقته للحظة وهي تحاول أن تستكشف ما الذي يدور في ذهنه خلف ذلك القناع البارد.. ثم سألته:
ـ وهل تانفعال إن رفضت؟..
_
صرخ بها بانفعال فقد سأم مراوغتها: ـ نعماااات
… أجفلت من صوته العالي فقالت بسرعة:
ـ لقد طلبت محادثتك أولاً.. قبل أن تعلن عن أريها..
نظر إليها بقلق.. فهو يخشى أن تطل ب منه الانفصال عن نعمات.. وسمع نعمات تردف بسخرية كأنها تردد مخاوفه:
ـ يبدو أن العر وس الصغيرة لديها بعض الشروط..
الفصل السادس
اتكئت نورا على سريرها وهي تحتضن وسادتها الصغيرة وعقلها مغيب تماماً عن هذر.
شقيقتيها من حولها تفكر في القرار الذي اتخذته ومدى صحته.. واللقاء القاآثار مع رؤوف واذا كان سيستجيب لطلبها أم لا
انتابها القلق والتوتر.. ماذا إن رفض؟.. هل ستستطيع المضي قآثاراً في ذلك الارتباط؟. وهل تجرؤ على الرفض ومواجهة انفعال جدها وأبيها؟.. وهل من الممكن أن تتهرب من تلك الزيجة بدون أن تثير زوبعة داخل العائلة؟.. والسؤال الأهم هل تريد أن تتهرب فعلاً من الزواج برؤوف؟…
كم تود أن تسأله لم اختارها هي؟.. ولكن بأي منطق تذهب وتسأله لم اخترتني ولم تختر شقيقتي الشقراء الأكبر والأجمل مني؟.. لابد أن تكون غير متزنة لتفعل ذلك!!. أفاقت من شرودها على صوت صفير, فالتفتت بحدة لتجد سهير تبتسم بسخرية وهي تقول: ـ إلى أين ذهبتي بأفكارِك؟ هل تفكرين في زوج ِك المحترم الذي أرسل زوجته لتطلب يد ِك؟
_
تمثلت إجابة نورا في وسادة طائرة ارتطمت بوجه سهير بحدة: ـ توقفي عن السخافات يا سهير.. فمزاجي لا يحتمل المزاح
.. تحركت سهير لتقف أمام المرآة وأخذت تمشط شعرها الاشقر الطويل وتخاطب صورة شقيقتها المنعكسة أمامها:
-لا تقلقي.. لا أعتقد أن رؤوف ممكن أن يسيء إليك…. ولا حتى خالتي نعمات.. فنحن نعرفها منذ طفولتنا.. وهي كانت دائماً طيبة معنا..
صمتت قليلا وهي تضع حرف المشط قرب أسنانها.. ثم أردفت:
ـ صحيح.. هل ستناديها خالتي نعمات.. أم نعمات فقط.. أم..؟
. قاطعتها نو را بحنق:
ارى انك تسلين نفسك على حسابي.. طبعاً.. فأنتي سعيده انك فلتي من الفخ…. ولكن يجب علي حبيب القلب أن يتحرك سريعاً.. فلن تفلتي المرة القاآثارة.
جابتها سهير بغيظ:
ـ من منا التي تسلي نفسها الان؟!!.. ولكني بلا شك أحمد الله أن رؤوف طلبك انتي هذا غريب فعلا .. هل تظنين أنه يعلم بأمري أنا ومنذر؟
ابتسمت نورا بسخرية: ـ نعم.. صحيح!..
_
ارتسمت الحيرة على ملامح سهير وهي تسألها:اذ لماذا انت !!
ـ إذا أجابتها نورا بانفعال: ـ وكيف لي أن أعرف؟!!..
اقتربت منها سهير لتربت على كتفيها وهي تسألها بتردد: ـ لماذا تريدين مقابلته؟..
جاء صوت والدهما ليباغتهما معاً وهو يقول:
ـ نعم.. يا نو ار.. لماذا تريدين مقابلة رؤوف؟.. ولماذا لم تخبريني بذلك عنآثارا تكلمنا سوياً؟.
رفعت نو ار رأسها لوالدها ثم وقفت على الفور احتراما لوجوده داخل غرفتها وأخذت تفرك
يديها معاً.. وهي تخاطبه بتردد.. فهو طالما كان هادئاً وليناً معهن.. ما عدا في موضوع رؤوف.. فهو يظهر عصبية شديدة: ـ أبي.. أنا آسفة.. أعلم أنه كان ينبغي علي أن أخبرك.. بطلبي.. ولكن..
صمتت قليلا .. ثم قالت: ـ أنت تثق بي يا أبي.. أليس كذلك؟.. ـ
تكلمي يا نور القمر…
ـ أبي… وقالت نور القمر كل ما عندها…
_
هيا يا نورا.. أسرعي.. رؤوف منتظر منذ نصف ساعة.
ـ حالاً يا أمي..
نزلت نورا السلم بتمهل.. فها هو الزوج المنتظر وافق وجاء ليستمع إلى وجهة نظرها.. وبقي فقط.. أن تستطيع هي أن تركب بعض الجمل المفيدة التي تعبر بها عن نفسها
.. اصطحبها والدها إلى غرفة الضيوف لتفاجئ بوجود جدها يجلس في صدر المجلس ولم تكن دهشتها بأقل من دهشة رؤوف عنآثارا وجد جده يدخل من باب الغرفة منذ دقائق وهو يحييه ببساطة ويتصدر المجلس.. فابتلع دهشته وانفعاله وهو يسلم على جده ويجلس بجواره.. أما نورا فكانت ردة فعلها.. مختلفة حيث تراقصت السخرية في عينيها رغماً عنها وهي تنظر لرؤوف بجانب عينيها وكأنها تسأله:
هل أتيت بجدي لتحتمي خلفه؟!!..
وكأن رؤوف فهم ما ترمي إليه نظراتها فاضطجع في مقعده بثقة وكاد أن يضع ساقاً فوق الاخرى لولا أنه تذكر وجود جده وعمه.. قطع جدهما سيل التحدي المتبادل والذي التقطه بسهولة:
ـ حسناً يا عبد السلام… ها قد أتيت بالعروس.. فهل تأمر لنا بالقهوة؟.
جاب عبد السلام بهدوء وقد فهم إشارة والده: ـ حسناً يا أبي..
التفت الجد نحو نورا بعد أن خرج والدها ليسألها
وانت يا صغيرتي.. ألا تريدين تحية جد ِك؟.. ـ
_
تحركت نورا بتردد لتتوجه نحو جدها وتقبل يده وتحيه هامسة:
ـ مرحباً يا جدي.. شرفت البيت بوجودك
ربت الجد على رأسها وهو يقول. ـ بارك الله فيكي ها نحن هنا لنستمع لشروطك..ماذا تريدين يا ابنة شموس؟
. رفعت نورا رأسها بانفعال وهي تقول: ـ جدي!!!..
ضحك الجد وقد أفلحت جملته في إخراج نورا من خجلها وتوترها فقال بهدوء:
ـ حسناً.. حسناً.. لا داعي الاطلاق طبعك الناري الان..لا نريد أن إخافة رؤوف..
جاء الدور على رؤوف لينظر لجده بحنق.. فما الذي يمكن أن يخيفه من تلك الآثارية الصغيرة.. ألا يكفي حضور جده المفاجيء الذي أعطاها إيحاء بأنه يهاب تلك المقابلة, حتي يلقي بمثل تلك الملاحظه
قاطع صوت جده الصمت وهو يقول:
ـ أخبرينا بشروطك يا… حفيدة الجيزاوي
ابتسمت نورا برقة لعلمها بأن جدها يراضيها بتلك الجملة:
_
ـ إنها ليست شروط بالمعنى المفهوم يا جدي.. هي..
قاطع الجد جملتها كعادته مع أوالده وأحفاده: ـ أظن أن السؤال المطروح هو هل تتضمن تلك الشروط طلاق نعمات من ابن عمك رؤوف ؟
ارتفعت رأس نورا بحدة أكبر وهي ترد على جدها بقوة وقد لمع التمرد والشراسة في عينيها وهي تواجه رؤوف بجوابها: ـ أعتقد يا جدي أن ابن عمي طلبني للزواج لانه يعلم أن تربيتي و أخلاقي تمنعني من مجرد التفكير في طلب كهذا.. ولو كان هو الرجل الذي يستجيب لي لو طلبت ذلك.. ما وافقت على تلك الزيجة. ا
رتفعت رأس رؤوف بسرعة ليتأمل تلك القذيفة المنطلقة.. وقد أخذ وقته في تأمل العينين الالمعتين باللون الذهب.. والانف الصغير والمرتفع بكبرياء والشفتين الالتين ترتعشان برغم الثقة التي تبدو عليها.. وارتسم في عينيه التقدير الكامل لما يرى ويسمع من تلك الصغيرة.. وسمع جده يعبر عن ذلك التقدير:
ـ لقد أحسنت شموس التربية.
وجاء ردها صاعقاً: ـ نعم يا جدي.. لقد أحسنت شموس تربية بناتها رغم عآثار تمكنها من إنجاب الولد .
تكهرب الجو واشتد التوتر بعد جملتها تلك واستشعر رؤوف ضيق جده.. فقد صمت تماما وكأنه مازال يحمل نفسه ذنب ما حدث الابن شموس وعبد السلام, فقرر رؤوف الدخول في الموضوع مباشرة وأجل أمر تأديب تلك الآثارية لما بعد.. حين يمتلك الحق بذلك, فبرغم كل شيء لا يصح أن تجابه جدها بمثل تلك الصفاقة حتى لو كانت محقة….
عدل جلسته حتى يواجهها وهو يسألها: -حسنا اخبريني ما هي طلباتك ؟… انا هنا لاسمعك
رفعت نورا عينيها لتواجه عينيه للحظات قليلة ثم أخفضتهما وقد تلونت وجنتيها بلون وردي محبب وأخذت تفرك يديها بشدة وهي تضغط على شفتيها بقوة مع محاولتها الابتلاع لعابها وهي حركة مصاحبة لها دائماً عند شعورها بالتوتر الشديد.. لكنها لم تدرك أنها تعطيها لمحة حسية مميزة..
حاولت تحريك شفتيها أكثر من مرة لتجيب على سؤاله ولكنها لم تفلح في إخراج كلمات ذات معنى.. حتى سمعته يستعجلها بنبرة ظهر فيها نفاذ صبره: ـ حسناً..
_
أجابت بتلعثم وبكلمات مبعثرة: ـ أنا.. أنا ..
عادت لتصمت وقد عقد لسانها عن الكلام على غير عادتها.. أخذت تحث نفسها على إخراج الكلمات ولكنها كانت محرجة وخجلة جدا .. وكأن مواجهتها مع جدها قد استنفذت كل مخزونها من القوة والشجاعة..
عاد صوته يستحثها بنرفزة: ا نت ماذا؟.
أغاظتها نبرته وكأنه يحادث طفالً صغيرا فانطلقت كلماتها بدون حساب: انا لا اريد ان اقيم ف منزلك … اعني انه ليس له حقا … اعني ……..
قاطعها بإشارة من يده: ـ حسناً.. لقد فهمت.. يجب أن تعلمي أنني انتهيت بالفعل من تأثيث بيت آخر خاص بي
انه قريب نسبياً من بيت عمتي قمر.. ماذا أيضاً؟.
تنفست الصعداء, فكان مجرد تفكيرها في الاقامة في منزل الخالة نعمات يسبب لها قلقاً عميقاً.. فهي بذلك تسلب كل حقوق سيدة المنزل.. و…..
انتبهت إلى نظراته المتسائلة فهي لم تجب على سؤاله ولكن استجابته لطلبها الاول منحها بعض الثقة فقالت بخفوت:
ـ آه.. أنا.. أريد حفل زفاف كبير.
صاح بها في دهشة: ـ ماذا؟..
_
أجابته بهدوء: ـ أنا لا أريد أن يقال أنني.. أنني أخذت رجل من زوجته.. وأنني خجلة من نفسي.. لذا أريد حفل زفاف لائق
. تعجب رؤوف من تفكيرها ولم يدري إذا كان طلبها ينم عن ذكاء أم عن تفكير سطحي..
ولكنها أضافت: ـ كما لا أريد أبي أو أمي أن يسمعا كلمة تؤذيهما.. خاصة وأنا أول من ستتزوج من بناتهما ومن حقهما أن يستشعرا الفرح لذلك وليس الحرج.
حسناً.. لقد حسمت الموضوع بتلك الاضافة.. فقال لها:
ـ ليكن.. لن اعترض على هذا.
ربت جده على كتفه وهو يقول: ـ بارك الله فيك يا بني.. فابنة عبد السلام وشموس تستحق أكثر من ذلك
. أجابه رؤوف بثقة: ـ بالطبع يا جدي.. ثم توجه لنورا بالسؤال: ـ لكني أتساءل.. فقط لماذا لم تطلبي من عمي أن يسألني عن تلك الامور, فهذا هو المتعارف عليه؟!!.
تأملته للحظات لمح فيها التماع نظرات نارية من بين أجفانها وهي تنظر لجدها بتردد وتقول: ـ ألن طلبي الاخير وهو الاهم.. وهو ما كان أبي سيرفضه.. ولكني مصرة عليه..
سأل بقلق: ـ وماذا يكون؟.
عادت تتردد وتتلعثم في كلماتها وهي تقوم بتلك الحركة بشفتيها والتي فتنته وشتت ذهنه للحظة: ـ حسناً.. أنني لن… لن أقبل أن تتزوج أخرى, إذا لم أستطع اإلنجاب فسيكون عليك تطليقي إذا رغبت الزواج للمرة الثالثة
_
. كان دخول والدها إلى الغرفة في تلك اللحظة هو ما أنقذها من صفعة قوية على مؤخرتها.. وهو الرد الذي تستحقه على طلبها الاحمق.. كان هذا تفكير رؤوف وهو يرمقها بانفعال شديد عجز عن احتوائه للحظات.. ماذا تظنه؟.. رجل يجري و ارء رغباته مطارا النساء وهل تطالبه بالطلاق قبل أن يتزوجا؟. صبرا أيتها المتبجحة الصغيرة.. سوف أقص هذا اللسان وأجعلك تعتذرين علي كلماتك الحمقاء ..
جالت نظرات عبد السلام بين وجوه الثلاثة من ر ؤوف المتحفز وابنته ذات الوجه الممتقع وأخيرا ويا للغرابه والده والذي كان يبدو متسلياً للغاية وبادره بالسؤال: ـ أين قهوتي يا عبد السلام؟.. الا تريد زوجتك تقديم واجب الضيافة؟
. بوغت عبد السالم بكلام والده وانشغل بالرد عليه عن متابعة المشهد أمامه: ـ هاه..لا.. كلا بالطبع يا أبي.. ولكنها فكرت أن تقوم نورا بإعدادها, فهي تعرف حبك للقهوة من يد نورا..
ضحك الجد بقوة وهو يقول: ـ نعم.. فنورا تعد قهوة مثالية.. حتى عمتها قمر لا تستطيع إعدادها مثلها.
ثم توجه لنورا وهو يسألها:
ـ هل انتهت طلباتك.. يا حفيدتي الصغيرة؟. اعتقد ان رؤوف وافق عليها جميعا اليس كذلك يا رؤوف ؟
ثم نظر لرؤوف ولمحت نورا لمحة تفاهم خفية بينهما.. كأنما يتكلمان لغة لايفهمها سواهما.. فأجاب رؤوف بلهجة ساخرة قليلاً أو هذا ما بدا لها: ـ وهل أستطيع الرفض؟ .. طلباتك اوامر يا ابنه عمي ..
إحساس قوي بداخلها أخبرها أنه يسخر منها.. وتيقنت من ذلك عنآثارا سأله جدها:
ـ وأنت يا رؤوف هل توجد لديك أي طلبات او شروط ؟
وكان رده: ـ إن طلباتي كلها سأعلمها بها بعد الزواج..
_
هنا انطلقت ضحكات الجد مما جعل اللون الوردي يصبغ وجنتيها بوضوح وهمست بخفوت: ـ الوقح!!..
سألها جدها بتسلية: ـ ألن تعدي القهوة يا نورا؟..
وتوجه لرؤوف قائلا : ـ يجب عليك أن تتذوق قهوتها يا رؤوف.. قال رؤوف بهدوء:
ـ حسناً يا جدي لنتذ وق تلك القهوة الشهيرة لعلها تنال إعجابي.. إني أشربها بسكر خفيف جدا
قبل أن تبدي أي اعتراض على تنفيذ ما يريد.. سمعت صوت والدها يأمر ها بإعداد القهوة..
فتحركت بخطوات تشبه الركض الخفيف هرباً من ذلك الوقح المتعجرف الذي سيصبح زوجها عما قريب وهي تشعر أن طلبها الاخير هو ما أثار استفزازه لتلك الدرجة..
عادت بالقهوة وهي مازالت متأثرة بانفعاله الامرئي.. ولكنها تمسكت بواجهة رزينة وهي تقآثار القهوة لجدها ثم لابيها ولكن عنآثارا جاء دوره وناولته قدحه سمعته يهمس لها:
ـ كلامك الاخير لم يكن مقبولاً على الاطلاق.. اظنك فهمتي ذلك .. وسنتفاهم لاحقا
تحدد موعد الزفاف بالفعل.. ودخلت نورا في دوامة من الاستعدادات المتلاحقه والتي لم تترك لها لحظة للانفراد بنفسها والتفكير في جملته الاخيرة والتي بدت في أذنيها كتهديد خفي.. كانت عمتها قمر تلازمها على مدار اليوم متغنية بمميزات رؤوف وفضائله.. وطيبة نعمات التي لم ترها نورا مرة أخرى وحمدت الله على ذلك فهي لم تجد طريقة ملائمة للتعاطي معها بعد.. فبعد أن كانت تراها كسيدة راقية وطيبة الخلق أصبحت تخافها وتخشى من تأثيرها على حياتها المتحية.. فهي لم تنسى نظراتها المهاجمه في تلك الليله
لقد منحتها بعض العذر في ذلك.. لكنها لن تكون ضحية أو شهيدة في تلك الزيجة.. ولن تسكت عن أي عدم احترام تلحقها, وكانت تدعو ربها أن يخمد تلك المشاعر الشبيهة بالغيرة التي بدأت تشتعل بداخلها وخاصة مع تعدد زيارات رؤوف لمنزلهم ورغم أن زياراته لم تحمل معنى شخصي فكان يجلس مع والدها معظم الوقت يتناقشا أمور العمل, وكان حواره معها مقتضباً لا يتعدى السؤال الرسمي عن أحوالها..
_
تعجبت هي لذلك وكأن الوجه الوقح المستفز الذي أظهره لها في حوارهما الاول اختفى للابد.. فكانت مع نهاية كل زيارة ومعرفتها إنه سيذهب إلى بيته حيث توجد نعمات تجد تلك الغيرة بدأت تموج بداخلها وكانت تحاول مغالبتها بشدة فهي لا تريد البدء في صراع الزوجات وتمنت أن تكون حياتها مع رؤوف هادئة برغم نظرات نعمات المقلقة.. لقد تيقنت من نية نعمات على إثارة المتاعب عنآثارا علمت أن المنزل الذي حدثها عنه رؤوف لن يكون لهما فقط بل ستشاركهما نعمات فيه وستغلق منزلها القديم إلى الابد
ثارت ثائرتها يوم علمت بذلك وتعالى صراخها في المنزل بأنها لا تريد إتمام الزو اج أبدا وأن ابن عمها العزيز خدعها بمنزله الجديد والذي ستشاركها فيه زوجته الاولى.. ورفضت حتى الذهاب لرؤية المنزل وتأثيث جناحها الجديد فيه ولم يهتم رؤوف بذلك وأخبرها أنه أعد المنزل بالفعل ولا داعي لتغيير الاثاث فهو جديد لم يمسسه أحد.. وتعالى صياحها مرة أخرى أمام أمها وأبيها الذي أسكتها بجملة واحدة:
انتي طلبتي منزلا جديدا .. وليس منزلا منفصلا عن زوجته
عارضته بقوة: ـ ولكن
… قاطعها: ـ لا يوجد لكن .. انتهى الموضوع.
لم تملك سوى أن تصمت فهي ظنت إنه فهمها جيدا بل كانت متأكدة من أنه فهم إنها تريد منزلا مستقلاً ولكنه تعمد سوء الفهم.. لتقطن هي في النهاية مع ضرتها في منزل واحد. منزل قد يكون غاية في الاتساع ولكنه لايحتمل زوجتين متناحرتين على رجل واحد..
كانت نورا في غرفتها تنهي استعداتها حين دخلت عليها شقيقتيها اللتان شهقتا بسعادة.. وهما تتأمالن أختهما في ثوبهااألبيض الذي التصق نصفه الاعلى بجسدها ليظهر بوضوح خصرها الرقيق ووركيها الدقيقين… ثم يتسع في سحابة متماوجة من القماش الابيض الناعم والمطرز برقة بماسات صغيرة براقة وينتهي بتخريمات مميزة ومزينة بدورها بلآلىء صغيرة.. زين صدر الثوب بخرزات ماسية رقيقة توزعت بدقة على كسرات القماش الذي احتضن صدرها برقة وكانت تلك الماسات تتماثل مع الموجودة على طرحتها والتي غطت خصالت شعرها الكثيفة والذي صفف في تسريحة رقيقة تاركة بعض خصلاته حرة خلف ظهرها.. كانت تبدو مثل الملاك الناعم وهذا ما عبرت عنه شقيقتها نادية:
انتي تبدبن كالملاك ..
كانت نورا في أقصى حالات توترها وهي تفرك يديها ببعضهما وترد على شقيقتها:
شكرا لكي يا صغيرتي
_
اقتربت منها سهير لتحتضنها بقوة وتقول له: انها محقه .. انتي رائعه
ثم همست لها بصوت خافت: ـ لقد وصل رؤوف بالفعل.. ولقد أرسلنا والدي لكي نستعجلك
همست نورا: ـ وهل أتت معه؟..
فهمت سهير من تقصد, فقالت: كلا لن تأتي .. لقد اخبرتنا عمتي قمر بذلك ..
تنفست نورا الصعداء فهي في غاية التوتر ولن تحتمل أن تأتي نعمات إلى حفل زفافها, فيكفي حضورها الاسبوع الماضي كله إلى الحنة.. مما وضع نورا تحت ضغط كبير.. وكان ما يثير حنقها تلك النسوة اللاتي يبتسمن في وجهها ويخبرنها أنها التعويض الذي أرسله الله إلى رؤوف.. ثم ما أن توليهن ظهرها حتى يذهبن لنعمات ليواسينها على الابتلاء الذي أصابها بزواج رؤوف من تلك الصغيرة خاطفة الرجال والتي لا حياء عندها
تلك الاقاويل التي تكررت في حفل الزفاف الكبير والذي أقامه رؤوف بناء على طلبها والذي استمر إلى ساعات الصباح الاولى وحضره كبار المسئولين بمدينتهم كما حضره معارف رؤوف من كبار رجالى الاعمال.. لم تهتم نورا بكل الاسماء الكبيرة التي حضرت زفافها, فكل ما كان يهمها هي تلك الفرحة المرتسمة في عيون والديها وهما يريانها متعلقة بذراع زوجها والذي أقام لها زفاف الاحلام .
وقفت نعمات في شرفة غرفتها في الطابق الثاني بمنزل رؤوف تراقب وصول العروسين وسط جمع صاخب من سيارات العائلة, التي ترجلت شموس وسهير من إحداهما ليساعدا نور على الترجل بدورها من السيارة, لكن رؤوف اعترض طريقهما ليفتح لها الباب ومد لها يده يساعدها على الخروج بنفسه من سيارته, وما أن خرجت ولمحت أمها حتى ارتمت في أحضانها تودعها وسط سيل من آثاروع شموس الغزيرة. سلمت نورا على والدها وجدها وتوالت كلمات التهنئة والتمنيات بالسعادة.. راقبت نعمات كل ذلك بمشاعر مجمدة تقريباً فهي لا تعلم ماذا ستكون ردة فعل رؤوف إذا علم بوجودها الليلة هنا, فهو اتفق معها أن تؤجل انتقالها لاسبوع حتى تكون العروس الصغيرة استقرت, ولكنها لم تطق تنفيذ ذلك فيكفيها إنه قرر عنها عآثار حضور الزفاف, فخالفت ما اتفقا عليه ولاول مرة منذ زواجهما قررت أن تنتقل لمنزله الجديد مع دخول العروس الجديدة, بل وسبقتها أيضاً.. لمحت رؤوف يتأبط ذراع عروسه ويتجه بها نحو باب المنزل وحاولت شموس اللحاق بهما استجابة لاشارة خفية من نورا الا أن ذراع عبد السلام أوقفتها بينما استمر رؤوف يتحرك بنورا حتى دخل بها إلى المنزل ولوحا مودعين للجميع وأغلق الباب من خلفهما.. ظلت نورا واقفة في مكانها تنظر للاسفل وتفرك يديها بقوة محاولة تجنب النظر إلى وجهه مباشرة حتى سمعته يقول وهو يمسك يديها ويفك اشتباكهما:
ـ مبروك يا عروسي.. نورِت منزلك
أجابته بخفوت وصوتها يكاد يسمع بينما كانت يديها ترتعش بين يديه: ـ شكرا ً.. عاد ليسألها: هل اعجبك المنزل ؟
حاولت استعادة يديها ولكنه شد عليهما وشبك أصابعه بأصابعها مما جعل رعشة يديها تنتقل إلى جسدها وأجابته بصوت أشد خفوتاً: إنه جميل..
_
أجفلت عنآثارا ضحك وقال: كيف تعرفين وانتي لم تاتي لترايه ؟.. ولم ترفعي راسك حتي الان ؟ هل اعجبتك بلاطات الارض ؟!!!!
تباً إنه يسخر منها.. وهي حتى غير قادرة على رفع أرسها ومواجهته, تخشى مواجهة تلك النظرة في عينيه والتي لمحتها عنآثارا رآها في ثوبها للمرة الاولى تلك الليلة.. كانت نظر ته وكأنها تتلمسها.. تتحسس كل جزء فيها وتقدر الجمال السخي الذي يبرزه الثوب الخيالي.. لقد أسكرتها تلك النظرة وسمرتها في مكانها وهو يقترب بهدوء طابعاً تحية رقيقة على جبينها.. حينها فقط خرجت من ثمالتها بنظرته ليرتعش جسدها قلقاً مع تغيير النظرة في عينيه التي تغير لونهما ليتحول إلى الاسود تقريباً.. وهي كانت واثقة من وجود تلك النظره الان ,,
ازداد ضغط أصابعه وهو يسألها: ـ لن تجيبي؟.. حسناً.. فلنذهب إلى غرفتنا.. لعلها تعجبك اكثر
يا إلهي.. هل تستطيع الاتفاف والهرب الان أم فات االاوان؟!!.. شعرت به يتحرك ويسحبها خلفه حتى وصلا إلى باب مغلق في نفس الطابق السفلي فتحه وادخلها قائلاً: حسنا هذه غرفتك … انها جناح كما ترين و …
لم تكن تستمع إليه فقد صآثارتها فكرة أن تكون غرفتها في الطابق السفلي.. إن المنزل مكون من طابقين.. فلماذا لم تكن غرفتها بالاعلى.. آه يا نورا.., فأنك تدفعين ثمن غبائك فانت من رفضتي الحضور واختيار غرفتك ,., أني لك الاعترراض الان ؟
حسناً.. إن كان يظن أنها ستسكت على تلك الاهانة فهو واهم.. لن تكون نورا بنت الجيزاوي ان لم تجعله هو بنفسه يطلب منها الانتقال إلى الطابق العلوي والذي بكل تأكيد انفردت به نعمات كنوع من التأكيد على أنها سيدة المنزل..
حسناً لقد كانت تملك كل النوايا الطيبة للتعامل معها ولكنها تصر على استفزازها ودفعها نحو زواية تدافع فيها عن وجودها داخل هذا المنزل.. انتبهت فجأة لتجده قريباً منها جدا فترارجعت للخلف تلقائياً.. بينما ابتسم هو قليلا وهو يطمئنها : لا تقلقي.. فأنا لا آكل الفتيات الصغيرات!!.
ضيقت عينيها بغيظ وهي ترمقه بصمت.. بينما أكمل هو: في البدايه اريد ان اطلب منك بعض الاشياء .. فهي لن تكلفك شيئا ولكنها ستجعل الحياه في البيت اسهل من الجميع
ظلت صامتة تنتظره أن ينتهي من كلامه فأردف بهدوء: انا اريد منك معامله نعمات كاخت كبري لك .. فتحترمي رايها ,, ووجودها فى هذا المنزل ,, كما لا أريد حروب أو صراعات من أي نوع.. إنها سيدة طيبة وذات قلب كبير… أخذت نورا تسمعه يعدد مميزات نعمات والغيظ يتآكلها.. هل هذا ما يريد أن يبدأ به حياتهما قصائد من الشعر في مدح زوجته األولى!!.. جالت بعينيها في الغرفة محاولة كظم غيظه حتى لاتنطلق منها كلمات تنآثار عليها لاحقاً.. فلمحت مزهرية كبيرة في ركن الغرفة فظلت تخيل نفسها تنهال بها على أرسه اعتداءاً حتى يكف عن مدح تلك السيدة التي سيضعها في مصاف القديسين قريباً.
ـ هل سمعتي كلمة مما قلته؟
_
التفتت إليه وقد انتبهت أنه ينتظر جوابها بنفاذ صبر: ـ نعم لقد كنت تعدد مميزات القديسة.
رأت الانفعال في عينيه فأدركت أن لسانها تحرك بدون تفكير كعادتها ليوقع بها في مشكلة جديدة, فتحركت للخلف قلقاً من الانفعال الظاهر على ملامحه لكنه أمسكها من ذراعيها يجذبها نحوه:
ـ هذا بالضبط ما كنت أتكلم عنه.. تلك الكلمات التي تنطلق منك بدون تفكير والتي قد تسبب العديد من المشاكل في هذا المنزل.. أجابته بحدة: ـ أنا لا أفعل هذا
بل تفعلين .. فلقد رايت كيف صآثارت جدي بكلامك تلك المره ؟ هل نسيتي .؟
جذبت ذراعيها بحدة من بين يديه وهي تقول بلهجة مبطنة:
ـ حسناً.. لا يوجد شخص كامل.. وأنا لست قديسة
تنفس بحدة وهو يقول: ـ يا إلهي!!.. ا
بتعد عنها يتحرك في الغرفة بدون هدف فقط يحاول أن ينفض عنه ذلك الانفعال.. ما بها؟ لماذا لا تطعه فحسب؟.. هل يجب أن تناقش في كل شيء؟!.. لماذالا تدع الامور تمر ببساطة وهدوء؟
!.. كانت نورا تراقبه وهو يتحرك في الغرفة وتلوم نفسها على إثارة انفعاله.. وتعود للومه هو الاختياره ذلك الوقت حتى يعدد مزايا زوجته.. لقد أفسد ليلة زفافها.. وأفسد أي ذكرى حلوة قد تراودها حول تلك الليلة…
وهناك بالاعلى كانت نعمات في غرفتها تتميز غيظاً وقهرا وانفعالاً.. تتماوج بداخلها مشاعر سوداء لم تظن أنها تمتلكها وكرهت نفسها بشدة لانها تشعر بتلك الطريقة.. ولكن مراقبتها له وهو يتعامل مع نورا بتلك الطريقة في مدخل البيت, طريقته البسيطة في المزاح معها حتى تطمئن وسؤالها عن رأيها في المنزل.. إمساكه ليدها وتشبيك أصابعهما معاً…
_
كل هذا فوق احتمالها, اشتعل بركان من نار في جوفها وهي غير قادرة على إخماد تلك النار.. تلوم نفسها لاستراقها السمع بتلك الطريقة.. وفي نفس الوقت تشعر بالحقد والغيظ عنآثارا تتذكر ليلة ز فافها عليه وهروبه من أمامها في ثواني معدودة… لم تحتمل كل تلك المشاعر وبدأت تراودها صور لرؤوف مع تلك السمراء الصغيرة.. وأخذت تتخيل ما يمكن أن يحدث بينهما والمقارنة التي سيعقدها رؤوف بينهما والتي ستخسرها هي بلا شك.. وجدت قآثاريها تتحرك بدون إرادة منها لتنطلق هابطة درجات السلم وتتوجه نحو غرفتهما وتطرق الباب بشدة.. سيطر رؤوف على انفعاله بقوة فهو لا يريد إخافتها, كما أنه يجب أن يفكر في صغر سنه .. الذي يدفعها إلى تهورها ذاك.. واذا كان يريد تقويم تصرفاتها فذلك لن يتم في يوم وليلة.. تحرك نحوها بخفة والحظ اضطرابها عنآثارا لمحت تقآثاره.. فاقترب منها بهدوء وهو يمسك يديها ويلمح ارتعاشهما.. لقد نسي قلقها الطبيعي من ليلة زفافها.. هي أنسته ذلك بعنادها ومظاهر الثقة التي تبدو عليها ويفضح ارتعاشها أنها ثقة زائفة.. قال بهدوء: هل اخبرتك انك تبدين مذهله ؟ جميله جدا
رفعت عينيها إليه بذهول وهي لا تكاد تصدق أنها سمعت تلك الكلمات من شفتيه.. ولم تعرف بماذا ترد عليه.. فحرك هو يديه ببساطة ليرفع الطرحة من فوق رأسها ويحرر خصلات شعرها من محبسه.. وأخذ يتخلله بأصابعه بسعادة.. وهو يقترب ليطبع تحية رقيقة على جبينها قائلاً: اذهبي للوضوء حتى نصلي معاً ركعتين
وقبل أن ترد بالايجاب سمعا طرقاً قوياً على الباب وصوت نعمات ينادي بنفاذ صبر ـ رؤوف!!!.
تحركت نورا بانفعال أعمى وهي تكاد تصرخ من الغيظ: ـ لا أصدق.. هل كانت موجودة طوال الوقت؟.. هل طلبت منها الحضور إلى المنزل في ليلة زفافنا؟!!..
شتم رؤوف بخفوت فهو لا يصدق أن نعمات خالفت ما اتفقا عليه.. هل قررت التمرد هي األخرى؟.. توجه رؤوف بدون أن يتفوه بكلمة ليفتح باب الجناح الخارجي وهو يواجه نعمات بانفعال مكتوم: ـ نعمات!!.. هل هذا ما اتفقنا عليه؟
.. رفعت نعمات إليه عيون مغرورقة بالآثاروع وبدأت تتكلم بطريقه شبه هيستريا تقريباا : رؤوف.. آسفة.. آسفة لم أستطع.. أشعر أني سأموت.. إنك كل ما تبقي لي.. أرجوك.. أرجوك.. لا تتركني.. هدأ انفعال رؤوف بعآثارا تبين حالتها التي تقترب من االنهيار.. فربت على كتفها بهدوء: ـ ما هذا الكلام؟. من اين اتيتي بهذه الافكار ؟!!
توسلته نعمات: ـ أرجوك يا رؤوف.. تعالى معي.. أشعر أني سأموت..
وقع رؤوف في حيرة شديدة.. كيف يتصرف؟.. نعمات تبدو في حالة يرثى لها.. ونور القمر بالداخل.. عروس في ليلة زفافها.. عاد صوت نعمات يتردد: أرجوك رؤوف.. أحتاج إلى وجودك حقاً.
وكانت نورا قد اقتربت بما يكفي لتسمع الجملة الاخير ة, فلم تتمالك لسانها الذي انطلق كعادتها: ـ الليلة.. يا عمدة..
فرمقها رؤوف بنظرة نارية وخرج من الغرفة مغلقاً الباب خلفه ومصطحباً نعمات إلى غرفته
_
الفصل السابع
عاد رؤوف لعمله بعد زفافه بأسبوع.. أسبوع ازدحم فيه منزله بالمهنئين وأفراد عائلته وعائلة نورا, التي لم يستطع الانفراد بها للحظة واحدة طوال ذلك األسبوع.. فهو كان ينتقل من دوامة المهنئين إلى هيستيريا نعمات التي تظهر في أي لحظة تشعر به يتحرك ليذهب إلى عروسه.. لقد أصبح موقناً لها بعد كل تلك أنها تفتعل تلك النوبات مؤخرا.. لكنه لم يستطع إدارة ظهره لها بعد كل تلك السنوات.. وفي نفس الوقت يدرك بأن نورا عروس صغيرة ولا ينبغي عليه إهمالها أكثر من ذلك.. فهو لم ينس نظراتها له وهي تستقبل اهلها في اليوم الثاني لزفافها .. وخاصه حين ظهرت نعمات متقمصة دور سيدة المنزل ترحب بالضيوف والمهنئين وبعائلة عمه.. وتقآثار لهم واجب الضيافة وكأنهم أتوا في زيارة عادية وليس ليزوروا ابنتهم العروس ويهنئونها.. التمعت حينها عيني نورا بنظرة عجز عن تفسيرها فهي بدت كنظرة ضياع وتشتت ثم عادت لتلتمع بنظرة مشاكسة ورد فعلية وظل يدعو الله الا تنطق بإحدى عباراتها المستفزة وتسبب أزمة هو في غني عنها حاليا .. يدرك أنه بدأ معها بطريقة خاطئة, وهو ناآثار على ذلك بالفعل فلقد أعماه انفعاله من تعليقها المستفز.. وتركها بمفردها في ليلة زفافها ليذهب مع زوجته الاولى, ولا يحتاج لكثير من الذكاء ليدرك أن نورا تظنه نام بأحضان نعمات… بينما ما حدث عكس ذلك تماماً.. فنعمات ظلت تبكي بهيسترية طوال ساعات الليل تقريباً.. واستطاع تهدئتها بعد وقت وجهد طويل.. ليسقط نائماً من الارهاق والتعب
ظل بالطبع مذنباً في عيني عروسته والتي -والحق يقال- لم تقم بأي تصرف مستفز.. كما كان يتوقع منها.. بل التزمت الصمت تجاه استفزازات نعمات لها وكان آخرها منذ قليل عنآثارا جلسوا جميعاً على مائدة الغذاء لاو ل مرة وكان ذلك بناء على اصراره والذي نآثار عليه لاحقاً بعد محاولة فاشلة من نعمات الاستفزاز نورا حين حاولت التغنج مع رؤوف واطعامه بيدها: ـ حبيبي.. تذوق الدجاج, لقد طهوته كما تحبه تماماً يا “بودي”!!
بينما صآثار بشدة من طريقة نعمات في تصغير اسمه, غصت نو ار بطعامها, مما سبب سعادة وقتية لنعمات سرعان ما انمحت عنآثارا تبين أن نورا غصت لمحاولتها كتم ضحكا تها التي تعالت لاول مرة, وبدا أن رؤوف قد فتن بتلك الضحكه وما ان لمحت نعمات نظراته حتى اشتعلت نارها و لكن قيام نورا من على المائدة هو ما أنقذ الموقف..
توجهت نورا إلى غرفتها وهي تتظاهر بضحكات ساخرة في حين أنها كانت تكاد تشتعل ذ اتياً من ضرتها المتصابية.. إنها تلتزم الصمت فقط لانها تدرك أن إطلاق العنان للسانها سيكلفها الكثير.. كما لاحظت أن صمتها أمام استفزازات نعمات المستمرة يزيد من انفعالها لذلك اتقنت رسم ابتسامة ساخرة على وجهها تواجه بها تصرفات نعمات المصممة على إخراجها عن طورها.. كانت تلك نصيحة عمتها قمر صبيحة زفافها.. وهي قررت إتباعها بعد ما كلفها لسانها رحيل رؤوف عنها وذهابه مع نعمات في ليلة الزفاف… أسوأ ليلة قضتها في عمرها كله..
قاطع أفكار نورا صوت رنين هاتفها وكانت سهير شقيقتها تهتف بسعادة: ـ هنئيني يا أحلى نورا.. لقد وافق أبي على خطوبتي أنا ومنذر.
صاحت نورا بفرحة: ـ ألف مبروك يا حبيبتي.. أنا سعيدة جدا من اجلك
ثم أردفت بلهجة مازحة:
.. متى تقآثار فارسك الهمام لطلب يد ِك؟.. أنت لم تخبريني
ضحكت سهير بخجل وقالت: ـ يبدو أنه فعل ذلك في ليلة زفافك .. واليوم أعطينا الموافقة لعمتي.. آه يا نو ار كم أتمني وجودك معى الان ….
_
أجابتها نورا:
ـ وأنا أيضاً.. ولكن ماذا نفعل في تقاليدنا العريقة يا عزيزتي؟. ماا رايك لو تاتنين انت وناديه غدا حتى نستطيع أن نتكلم ونحتفل سوياً.
أجابتها سهير بتردد: ـ ولكن…
ـ ليس هناك لكن.. سأنتظركما غدا لنتناول الغذاء سوياً.
أغلقت نورا الهاتف وقد أدخلت أخبار شقيقتها بعض السعادة إلى نفسها وتمتمت بهدوء.
أرجو أن تعثر إحدانا على السعادة يا شقيقتي”.
وقف رؤوف أمام نافذته ينفث دخان سيجارته وهو يراقب النافذة المقابلة لنافذة مكتبه, وكانت تظهر منها نورا وهي تتحرك بخفة ونعومة.. ابتسم قليلاً.. فهي كانت ترقص ولا تدري عن مراقبته لها.. قطع عليه تأمله لحركاتها الرشيقة دخول نعمات عليه فجذب ستارة النافذة بهدوء والتفت اليه : ماذا هناك؟.. هل أعد الطعام؟.
اقتربت منه بهدوء وهي تحاول التحكم في نبرة صوتها حتى لا تبدو كمن أتى ليفتعل مشكلة: ـ هاه.. بالطبع الطعام جاهز.. ولكن على ما يبدو أننا سنتناوله أنا وأنت فقط..
فقد طلبت نورا طعام الغذاء من أحد مطاعم الوجبات السريعة.. سألها بدهشة: ـ ولماذا؟.. أجابته بتردد: ـ ربما انفعالت من كلامي لك أمس على الغذاء. هتف بحزم: اطلبي من الخآثار وضع الغذاء لنا جميعاً ـ
قال كلمته وتوجه نحو جناح نورا ودخل بسرعة بدون أن يطرق الباب, فانتفضت سهير ونادية بقوة مما سبب له قليلاً من الارتباك ولكنه تغلب عليه سريعاً وهو يرحب بهما ويلتفت لنورا التي كانت ترقص لحظة دخوله ولكنها تجمدت تماماً تحت نظراته التي تخبرها بأن على وشك إيذاءها ولا تدري لماذا..
_
لذا فسارعت بالقول: ـ ألن تهنئ سهير.. لقد وافق أبي على خطبتها لمنذر
التفت لسهير وقال وهو يبتسم: ـ تهانئتي.. إن منذر رجل محظوظ.
أجابته بخجل: ـ شكراً لك.. ثم سحبت شقيقتها نادية المتسمرة في مكانها
وقالت: ـ سنذهب لنلقي التحية على خالتي نعمات.. فهي كانت نائمة عنآثارا وصلنا. بعد أن خرجتا.. التفت رؤوف لنورا وسألها مباشرة: ـ ألم أخبرك أننا سنتناول الطعام سوياً.
أجابته بهدوء: ـ نعم
… سألها بغيظ: اذا لماذا طلبتي اكل جاهز؟!!!
لم تصدق نورا ـ أنه قد يكون غاضباً لهذا السبب التافه, فاجابته بصبر : ـ لقد فعلت ذلك لوجود شقيقتاي, حتى آتناول طعامي معهما.. الموضوع لا يستحق كل هذا الانفعال!.
كان يعلم ذلك.. الموضوع بسيط بالفعل.. ولكنه كان غاضباً بالفعل.. كان غاضباً منها ومن نفسه ومن نعمات.. لا يدري ما به… فقط يشعر بالانفعال وترجم هذا عنآثارا قبض على ذراعها وهو يتهمها: ـ أنت تتعمدين مخالفة ما أطلبه منك
حبت ذراعها منه وهي تقول: ـ كلا.. أنا لا أفعل.. لما أنت غاضب هكذا؟!!.
خرج منه الكلام بدون إرادة: لماذا كنتي ترقصين ؟
_
تلون خداها باللون الوردي وهي تتمتم: ـ لقد أخبرتك.. كنا نحتفل بخطبة سهير..
قربها منه قليلاً وهو يقول: ـ لكني لا أحب أن يراك احد وانتي ترقصين
ردت بعفوية: ـ إنهما سهير ونادية فقط.. لقد أرتاني وأنا أرقص مرارا .
ابتسم بهدوء وهو يسألها: ـ هل يجب أن تجادلي في كل شيء؟.. ألم تسمعي بكلمة.. حاضر
. أجابته بخفوت وهي تشعر بيديه تقربانها إليه أكثر: ـ حاضر..
كانت متوترة بشدة من حركة يديه حول جسدها فابتلعت ريقها بتوتر وهي تضغط على شفتيها, تلك الحركة التي فتنت رؤوف من قبل.. فاقترب أكثر ليطبع تحية رقيقة على جبينها, حاولت الابتعاد الا أنه منعها لتشعر بشفتيه تتحركان على وجهها الساخن فأغمضت عينيها لتحط شفتاه على جفونها المغلقة.. وأنفاسه السريعة تاعتداء وجهها وشفتيه تواصلا طريقهما عبر صدغها ووجنتها.. ارتعد جسدها بقوة استجابة لحركته البطيئة وهو يقترب من شفتيها يداعبهما برقة ويمنحها قبلتها الاولى.. بدت قبلته رقيقة وهو يحاول السيطرة على مشاعره حتى لا يخيفها.. ولكن ما أن تلامست شفاهما حتى خرجت سيطرته عن عقلاها فألصقها به وهو يغرز إحدى يديه بشعرها يبعثره في عبث ويعمق قبلته التي سحبتهما من عالم الواقع فلم يشعرا بسهير وهي تفتح باب الغرفة, ولكن شهقتها الخجولة أبعدتهما عن بعض وهي تقول بخجل شديد: آسفة.. أنـ..ا…. آسـ..فـ…ـة… إررر… لقد كنت أبحث عن حقيبتي… عفوا سأذهب
تحرك رؤوف بعيدا عن نورا بعد أن طبع تحية رقيقة على مقآثارة أرسها وخرج من الغرفة وهو يتمتم :
ـ كلا.. ابقي مع نورا… ومرة أخرى تهنئتي.. ا
لتفتت سهير إلى شقيقتها بعد خروجه من الغرفة فبادرتها نورا وأنفاسها مازالت متسارعة: ـ ولا كلمة.. لا أريد أن أسمع أي كلمة.
توجه رؤوف إلى مكتبه مباشرة بعد أن اعتذر لنعمات عن تناول الطعام مما جعلها تتعجب ولكنها التزمت الصمت.. أما هو فحاول أن يدفن اضطرابه وأحاسيسه التي أشعلتها قبلته لنورا بلانغماس في العمل وتجاهل الصوت الذي يهتف به أن يذهب ويلقي بشقيقتيها خارج جناحهما ليبدأ معها حياتهما كما ينبغي..
_
بعد عدة محاوالت فاشلة منه لقراءه إحدى الملفات ألقاه بعيد وتوجه نحو أحد االاد راج الموصدة في مكتبه ليفتحه ويخرج دفترا يلجأ ً كبيرا مخصصاً للرسم لينغمس في هوايته التي يلجأ لها كلما تشتت عقله وتبعثرت أفكاره.. فهو كان يجد في هوايته لفن الكاريكاتير والقصص الهزلية متنفساً لضيقه كلما ازدت حوله المشاكل..
كان يسخر من نفسه بنفسه.. يشكي حاله للورق والالوان, يحاول معرفة ما الخطأ وكيف يوازن أموره ويصحح أخطائه.. انغمس في رسمه لساعات وهو يخط ما يمر به من مواقف وأزمات بصور هزلية مضحكة.. يهرب بها من مشاكل الواقع الذي يحيط به ليعيش مع هوايته التي تمنى يوماً أن يحترفها وتكون مهنته, ولكن الواقع عانده عنآثارا ظهرت مها ارته في حقل الاعمال والتجارة وكان من المحتم أن يتناسى أمنيته ويتفرغ لاعمال العائلة.. فهو يتذكر جيدا كلام جده عنآثارا لمح دفاتر رسوماته :_ “شخبطات جيدة يا رؤوف.. هواية مسلية.. ما دامت ستظل في إطار الهواية والتسلية.. لكنك تعلم أن مكانك الحقيقي موجود في شركات الجيزاوي”.
كان تحذير وتنبيه فهمه رؤوف جيدا .. رغم أنه كان في الثانية عشر فقط..
انتبه على جواله يدق ويظهر رقم نعمات على شاشته.. وكعادة كل ليلة كانت تبكي وتنوح وتطلب منه الا يبتعد عنها.. فأغلق الخط وتوجه إلى غرفتها.. لعله يستطيع أن يصل لحل معها.. أما نورا فبعد ذهاب شقيقتيها الالتين لاحظتا غياب ذهنها الكلي ظلت تترقب خطوات رؤوف وتنتظر عودته إليها خاصة بعد ما حدث بينهما عصر اليوم, ولكن لمفاجأتها سمعت خطواته تتجه بسرعة إلى الاعلى نحو غرفة نعمات.. كادت تنفجر من الغيظ والانفعال.. إلى متى ستتحمل تلك الاوضاع المقلوبة؟.. إنها هي العروس.. هي من يجب عليه اإلسراع ليكون معها.. استبد بها الانفعال وهي تذر ع
غرفتها ذهابا وايابا … ولم تتمالك نفسها وهي تتجه نحو باب غرفتها لتفتحه وتتجه نحو الطابق العلوى هى الاخرى
اشتعلت حيرة نورا بعد مكالمة هاتفية سريعة مع سهير والتي توسلتها أن تجد طريقة حتى تصطحبها في جولا تها الشرائية.. فعمتها وأمها أصابتاها بالجنون وهي أصابتهما باالنزعاج من شدة تذمرها.. وكانت سهير تستغيث فعلياً بنورا كعامل مهدئ بين الجميع..
وأخيراً قررت نورا استئذان رؤوف لترافق سهير.. فلابد أنه سيقدر رغبتها في مساعدة أختها ويتغاضى عن تلك العادات والتقاليد التي تلزمها بالمكوث في منزل زوجها لتقابل المهنئين خاصة ونعمات لم تقصر في إظهار نفسها كصاحبة البيت وسيدته.. وبرغم أنها لم تكن تود أن تكون البادئة في الذهاب إليه, ولكن ليس أمامها خيار آخر.. فسهير بدت في حالة يائسة
.. اتجهت نورا إلى المطبخ لتعد له القهوة التي يعشقها.. وهناك فوجئت بوجود نعمات فحاولت تجاهلها قدر ما تستطيع وأخذت تعد القهوة.. ثم خطر في بالها طريقة ترد بها على استفزازات نعمات لها.. فبدأت بالغناء كما اعتادت في منزل أبيها.. وكان اختيارها لاغنية هو ما اشعل نيران نعمات التي انعقد لسانها وهي تستمع لصوت نورا الرقيق: “جالت لي بريدك يا ولد عمي.. تعا دوج العسل سايل على فمي.. على مهلك علي ما بحمل الضمة.. على مهلك علي.. ده أنا حيلة أبو ووي وأمي”.
أرفقت نورا غنائها بحركات راقصة خفيفة وهي ترمق نعمات بنظرات ذات مغزى..
ثم أخذت قدح القهوة وتوجهت نحو مكتب رؤوف الذي فوجئ بدخولها عليه وهي تحيه ببساطة: ـ مساء الخير.. لقد أعددت لك القهوة كما تحبها. لم يستطع إخفاء دهشته.. وطار عقله ليظن أنها اشتاقت إليه.. ولكنه نهر نفسه بسخرية:
_
“لتكف عن جنونك, لابد أنها تحتاج منك شيئاً وجاءت مقآثارة القهوة كعربون سلام”. ابتلع سؤاله عن سبب مجيئها إليه.. فقد توقع أن تختفي من أمام ناظريه كتأديب له على بقائه كل ليلة بجوار نعمات وخاصة ليلة أمس بعد قبلتهما.. عنآثارا وصل به تفكيره إلى تلك التحية اتجهت نظراته إلى شفتيها بدون إرادة منه.. ولاحظت هي ذلك فازداد توترها وأخذت تفرك
بيديها وهي تضغط شفتيها معاً.. لاحظ رؤوف توترها ذاك.. فحاول أن يرد بهدوء: ـ شكرا ً على القهوة
لاحظ ترددها في الخروج من المكتب.. فأيقن أن تفكيره كان صائباً وأنها تريد شيئاً..
فأردف: ـ هل أرد ِت شيئاً؟..
أجابته بتردد: ـ نعم.. أنا أريد الخروج مع سهير لشراء بعض احتياجاتها. وأخذت تقص عليه مكالمة سهير.. لم يدري لما أصيب بالاحباط.. فهو عنآثارا لمحها تدخل عليه تمنى أن تكون قد جاءت لرؤيته لانها اشتاقت إليه.. أو أن تكون قبلتهما قد أثرت فيها.. لذا عنآثارا أخبرته بسبب حضورها واعدادها لقهوته اصيب بالاحباط بل بالغصب
ووجد نفسه يعبر عن ذلك برفضه لطلبها:
كلا انت تعلمين أنه لا يصح أن تخرجي الان ولم يمر على زواجنا عشرة أيام.. ـ
صاحت بنزق:
ـ أنت لا تؤمن حقاً بهذه الخزعبلات!!!.
أجابها بهدوء:
_
ـ يجب احترام تقاليد مجتمعنا.. وحتى لو مدينتنا لا تقع داخل الصعيد فعلياً بكل عاداته.. الا أننا دائماً ما اتبعنا التقاليد.. لن يضير سهير الانتظار لعدة أيام أخرى.. كما أن معها عمتي وخالتي شموس..
وصمت قليلا .. ثم قال:
ـ ونعمات موجودة أيضاً.. لو احتاجت إليها.
لم تتمالك نورا نفسها وقالت بسخرية: ـ وهل أجلس أنا في البيت وأترك مساعدة أختي للسيدة نعمات!!!.
تعجب من قولها: ـ السيدة نعمات!!.. هل تدعينها بالسيدة نعمات؟!!.
سألته بسرعة: ـ وكيف تريدني أن أدعوها؟
. ـ تدعينها كما اعتدت دائماً.
صاحت بتعجب: ـ هل تريدني أن أدعوها.. خالتي نعمات؟!!!.
– نعم اذا كنتي اعتىدت علي ذلك .. فلم يتغير شىء
رمقته بنظرة ذات مغزى ولم تقاوم نفسها وهي تقول : ـ نعم.. لا شيء تغير.
_
فهم إلى ماذا تشير بكلامها فتقآثار منها بانفعال لمحته يظهر في عينيه فتراجعت فورا .. ولكن دخول نعمات قطع ثورة الانفعال المتوقعة.. حيث دخلت لتقول: ـ هل أعجبتك قهوة نورا؟.. فأنت اعتدت على تناول القهوة التي أعدها.. إذا لم تعجبك.. سأعد غيرها
.. انطلقت الكلمات من نورا على الفور بدون أن تتمعن فيها: ـ لقد أعجبته قهوتي جدا ً.. فلقد آن االاوان ليتذوق القهوة بنكهة جديدة..لا تقلقي نفسك يا خالتي…
واتجهت للباب لتخرج وهي تلقي بنظرات قاتلة لرؤوف..
بينما جمدت نعمات في مكانها وظهر الانفعال على وجهها وهي تتمتم بحرقة: ـ خالتي!!.
بينما التمعت المشاكسة في عيني نورا وهي تلقي بنظرة أخيرة إلى رؤوف كأنها تخبره: “ألم أقل لك؟!!!”.
رغم السعادة التي شعرت بها نورا لمرافقة شقيقتها لاختيار ثوب زفافها, إلا إن القلق كان يعصف بها من ردة فعل رؤوف على خروجها بالرغم من اعتراضه السابق, ولكنها لم تستطع أن تصل معه لنقطة تفاهم خاصة بعد أن تعمد تغيير الموضوع ببراعة ليبعدها عن طلبها الاساسي.. و يشغلها بقضية فرعية لا تهمها في شيء.. وما أشعل غيظها هو دخول نعمات عليهما مما اضطرها للخروج بدون الحصول على إجابة شافية.. ثم خروجه بعد ذلك بدون أن تستطيع إكمال نقاشهما.. جعلها تتخذ قرارها بالخروج مع سهير مع اكتفائها بإرسال رسالة له تخبره فيها بذلك.. لانها عنآثارا اتصلت به على هاتفه وجدته مغلقاً..
بعد انتهاء جولتها الشرائية برفقة سهير وصلتا إلى منزل والدهما لتفاجئ نورا بوجود رؤوف بانتظارها برفقة والدها.. ونظرة واحدة إلى عينيه أدركت مدى الانفعال الذي يعصف به ومدى تحكمه في نفسه حتى لا يظهره أمام والدها الذي أصر على بقائهما لتناول العشاء مع الاسرة.. واضطر رؤوف للموافقة أمام إصرار عمه وتوسل شموس لتجلس مع ابنتها قليلاً..
كان العشاء مسلياً بخلاف توقع رؤوف.. فاكتشف أن نادية الشقيقة الصغرى لنورا تمتلك حس فكاهي نادر وسرعان ما ظهر ذلك على مائدة العشاء وهي تتذمر من ترك أختيها لها وهما تختاران ثوب الزفاف وكأنه سر حربي.. ومع تذمرات نادية الحظ لمعان نظرة حالمة في عيني سهير وكأنها لا تشاركهما الواقع, بل تطفو على سحابتها الوردية مما جعله يظن أن ارتباطها بمنذر يحمل أكثر من ارتباط عائلي
.. حاول على قدر استطاعته تجنب النظر إلى حمقائه الصغيرة حتى لا يظهر انفعاله منها على الملأ, لكن رغماً عنه كانت عيناه تتجه إليها وهو يلاحظ توترها وقلقها.. كما لمح نظره تشبه خيبة الامل عنآثارا رن صوت سهير الرقيق وهي تتحدث عن تجهيزات زواجها وموعد زفافها المتوقع.. مما دفع بالشياطين لتوسوس له ليظن بأن نورا كانت معجبة بمنذر أو الاسوأ تحبه.. دفعه ذلك الظن إلى إنهاء العشاء بسرعة والاستئذان لينطلقا إلى منزلهما..
ساد صمت تام بينهما في السيارة, حاولت نورا كسر ذلك الصمت أكثر من مرة والحديث معه بهدوء إلا أنه كان يقابل محاولاتها بنظرة نارية تسكتها على الفور… وصلا أخيرا إلى المنزل..
_
فنزلت مسرعة من السيارة الا إنه لحقها ليمسك بذراعها ويدخل ً معها إلى البهو ووجد نعمات ساهرة بانتظاره ولمح كالعادة قطرات الآثاروع تتألأل في مقلتيها.. لكنه كان في حالة من الانفعال الشديد فتجاهل النداء الصامت بعينيها وهو يقول لها: ـ ليلة سعيدة يا نعمات.
ثم استمر في سحب نورا خلفه ليدخلها إلى جناحها ويغلق الباب خلفهما
ثم استمر في سحب نورا خلفه ليدخلها إلى جناحها ويغلق الباب خلفهما.. فقررت أن تبدأ بمهاجمته: ـ كيف تجرؤ
… قاطعها بهدوء يخفي انفعال عاصف من خلفه: ـ هل كان منذر معكما وأنتما تختاران الثوب؟.
فوجئت نورا بسؤاله لكنها أجابته بتعجب: ـ كلا بالطبع.. كانت معنا عمتي قمر والسائق الخاص بجدي.. ثم أردفت: ـ لماذا تسأل؟
.. رد بسرعة: ـ لا شيء.. لماذا خالفت طلبي وخرجت بدون إذن؟..
تلعثمت وهي تجاوبه طلبة ـ إننا لم ننهه نقاشنا.. كما أنك أغلقت هاتفك… لم يكن أمامي إلا إرسال رسالة لك.. صاح بانفعال: قرارتي من نفسك رمي كل ما تكلمنا فيه.. و خرجت من المنزل بدون إذن .. ولا حتي بدون اخبار نعمات عن وجهتك .. . لقد اتصلت بي قلقة لانها لم تجد ِك في غرفتك …
صاحت مشدوهة: ـ هي اتصلت بك؟..
ـ نعم.. ألم أخبرِك أن تعامليها باحترام ؟.. لماذا لم تبلغيها بخروج ِك؟.
أجابته بنزق: ـ ولماذا أخبرها؟.. هل تزوجت منها بدون أن أدري؟..
_
صاح بانفعال: ـ نورا!!!.
أجابته وقد خرجت عن طورها: ـ ماذا؟!!.. نعمـات!!.. نعمـات!!… اسأليها.. بلغيها.. هل أنجب منها الوريث اللعين أيضاً؟..
عرفت أنها تخطت الخطوط الحمراء عنآثارا رأت شرارات الانفعال تتطاير من عينيه وهو يخطو نحوها بسرعة ويجذبها من ذراعها ليلصقها به وهو يهمس بانفعال: ـ ألن تتعلمي التحكم في كلماتك؟… حسناً.. سأعلم ِك ممن ستنجبين الوريث.
انقض على شفتيها بقوة ينفس عن انفعاله ويخرج كل الشياطين التي استوطنت أفكاره وهو يظنها كانت تتمنى غيره.. فزاد من ضغطه على شفتيها حتى أجبرها أن تفرقهما ليعمق قبلته بينما إحدى يديه تتحسس جسدها وتستكشفه بجنون والاخرى تجذب شعرها بقوة لتثبت رأسها وتجبرها على تلقي قبالته العنيفة..
حاولت نورا االبتعاد عنه إلا أنه كان يحبط جميع محاوالتها بفاعلية تامة وهو مستمر في تقبيلها ولكنها تمكنت أخيرا أن تبعده عنها قليلاً لتستنشق بعض الهواء وتهمس له: ـ هل هكذا تريد بدء حياتنا يا رؤوف؟.. باالاجبار يا ابن عمي!!!. هدأت كلماتها من انفعاله وحدت من اندفاعه فقربها منه برقة وهو يهمس أمام شفتيها: ـ هل اذهب يا بنت عمي؟.. هل اذهب يا قمري؟
.. اغمضت عينيه ا وهي تجاوبه بهمس مماثل: ـ كلا
… فأخفض رأسه ويعاود تقبيلها ولكن برقة أذابتهما معا
الفصل الثامن
نـــار.. نار حارقة تكوي جوف نعمات, فما كانت تحاول جاهدة لتأجيله في الايام السابقة.. قد وقع.. كل محاولاتها لابعاد رؤوف عن نورا فشلت فشلاً ذريعاً.. حتى مكالمتها التليفونية له وهي تدعي قلقها على العروس الصغيرة التي لم تجدها بغرفتها.. رمت كذبتها وأتقنت إدعاء القلق في صوتها وهي تعرف أي جنون سينتاب رؤوف لخروج نورا بدون إخباره.. كانت تظن أنها بذلك تزيد من اتساع الهوة بين نورا ورؤوف.. ولكن يبدو أن العكس هو ما حدث.. وكانت فعلتها تلك.. سبباً ب بينهما.. للتقري
زفرت بقوة وهي تشعر بالاشمئزاز من نفسها ومن تصرفاتها في الفترة الاخيرة.. تشعر بأنها تحولت إلى امرأة أخرى.. امرأة حاقدة وشريرة.. مليئة بالمرارة والقلق.. نعم القلق من هجران رؤوف لها.. القلق من فقدها الزوج الذي عاملها بحنان ورقة لم تشعر بهما مع عمه.. رغم حب ذلك الاخير لها.. لكن رؤوف كان يعاملها بنوع من القدسية.. منحها هالة من الملائكية تشعر بالذعر الان من أنها فقدتها في عينيه..
_
لكن أكثر ما يخيفها أن تفقد الاحساس الرائع الذي يمنحه وجود رؤوف في حياتها..الاحساس بأن هناك من يحتاجها.. بأن وجودها هام وحيو ي لشخص ما.. إحساس قريب من الامومة لحد ما.. نعم .. فوجود رؤوف في حياتها عوضها عن إحساس أمومتها المفقود.. وخاصة مع انعدام فرصها في الانجاب ومع الفارق العمري بينهما والذي حولته لفيض غامر من الحنان والعناية والرعاية الموجهه نحوه.. إن نعمات لا تخاف فقط فقدان الزوج, بل تخاف فقدان ىالابن الذي منحته كل حنانها ومشاعرها
إحساس رائع بالدفء والامان… إحساس بالسكينة والحماية هو ما شعرت به نورا وهي تستيقظ بين ذراعي زوجها.. زوجها!!!.. ومضت أحداث الليلة الماضية في عقلها مما جلب ابتسامة خجولة على شفتيها عنآثارا تذكرت العاطفة المحمومة التي غمرها بها رؤوف الذي لم تتصوره ابدا بتلك الحرارة والشغف.. فبعد اندفاعه العنيف نحوها أمس.. رقت لمساته لم تتصوره أبدا نتيجة همسها له وتحولت قبلاته الغازية إلى قبالت حارة مغوية.. أذابت كل مقاومتها وأضاعت عقلها تماماً فاستجابت له بعفوية بريئة.. زادت من جنونه بها وهو ينثر قبالته على كل خلية بجسدها.. ويصحبها معه إلى عالم العشق… والجنون.. وهو يهمس في كل لحظة.. بـ”قمري”.. اسمها الذي يخصه هو فقط..
شعرت بأنفاسه تتسارع ودقات قلبه تزيد تحت وجنتها فأدركت أنه استيقظ من نومه وأنه يتأمل ملامحها, فاحمرت وجنتاها على الفور واستمرت في إغلاق عينيها بشدة.. مما دفعه للابتسام وهو يهمس بجوار أذنها:
أجابته وهي ما زالت مستمرة في إغلاق عينيها: ـ أنا لا أدعي شيئاً.. أنا نائمة بالفعل!!.
ضحك بقوة وهو يزيد من ضمها ويده تعبث بخصالتها المنتشرة على وسادته: ـ حسناً أيتها النائمة بالفعل.. أنا أملك فكرة جيدة عن كيفية إيقاظ ِك!!!.
وأعقب قوله بتحية قوية على شفتيها وهو يلفها بذراعيه أكثر, فوجئت نورا بحركته السريعة ولم تستطعالابتعاد عنه بالسرعة الكافية فأحكم ذراعيه حولها وهو يهمس أمام شفتيها: ـ مبروك يا قمري..
أجابته بنفس الهمس: ـ لماذا تانديني بقمر؟.
لم تسمع إجابته حيث أنه دفن رأسه في عنقها الناعم وبدأ يغمره بالقبلات الالهبة التي أشعلت جسدها بأكمله فحركت ذراعيها لتلتف حوله ليضمها إليه أكثر وهو يلتهم شفتيها في تحية حارة أذابتهما سوياً…..
مرت الايام التالية على نورا وهي تعيش فوق سحابتها الوردية.. فعلاقتها مع رؤوف في قمة تناغمها, لم تتوقع أن تجد نفسها قريبة منه إلى تلك الدرجة.. تشعر به قد تغلغل بداخل روحها.. كما تحب أن تعتقد أنها لمست شيئاً بداخله.. أسعدها بشدة أنها وجدته إنسان رقيق.. حنون وشغوف.. بطريقة لم تتوقعها… فكان يغمرها دائماً بعاطفة حارة تدخلها إلى عوالم جديدة عليها كليةً.. وكان هو دليلها إلى تلك العوالم الرائعة..
لكن سعادتها كانت ناقصة على الدوام.. فكانت الليالي التي يقضيها رؤوف مع نعمات بمثابة حرائق الهبة تندلع في كيانها.. لم تدرك أنها يمكن أن تشعر بتلك الكمية الرهيبة من الانفعال الا عنآثارا رأت رؤوف بعد أن قضي الليلة برفقة نعمات.. لم تعرف أنها تملك القدرة على الإيذاء الا بعآثارا رأت نعمات تتهادى على الدرج وعلى وجهها ترتسم ابتسامة قطة قد التهمت طنجرة كاملة من اللبن كامل الدسم.. وقتها شعرت أنها تريد مسح الابتسامة من على وجه نعمات, وأن تعيد تشكيل ملامح وجهها المبتسم..
_
فآثرت السلامة وتحركت متجهة إلى غرفتها قبل أن تطاوع شيطانها.. وتمزق عيني نعمات.. يومها لحقها رؤوف إلى غرفتها.. ووجدها واقفة بنافذتها تنظر إلى الفراغ.. تأملها لعدة دقائق ولكنه ظل صامتاً عالماً بأنها أدركت وجوده بالغرفة معها.. ولكنها ببساطة تتجاهله..
أجلى صوته وهو يقول بهدوء: ـ صباح الخير.. ظلت نورا صامتة.. ولم تستطع أن ترد تحيته.. فقد كانت آثاروعها تنهمر بغزارة.. خلفها تماماً.. يكاد يكون ملتصقاً اقترب منها بهدوء حتى وقف بها, ووضع يديه على كتفيها يديرها إليه.. ففوجئ.. بالآثاروع تغرق وجهها.. ضمها إليه بهدوء, وضغط رأسها إلى صدره وهو يملس خصالتها بنعومة.. حتى هدأت قليلا… ظلا على هذا الوضع لفترة لم يشعر بها كلاهما… وأخيرا . ومسح آثاروعها ً أبعدها عنه قليلا. بأصابعه ثم طبع تحية دافئة على جبهتها.. وخرج بهدوء مثلما دخل..
ظلت نورا مسمرة في مكانها لفترة بعد خروجه, ثم ألقت بنفسها على الفراش وهي تجهش بالحزن… بعد تلك المرة تعلمت نورا أن تتحكم في أعصابها وتعبيرات وجهها, فلا تفضح غيرتها الشديدة على رؤ وف وخاصة أمام نعمات.. ولكن ذلك لم يمنعها من إظهار انفعالها أمامه في نوبات عصبية.. ولكنه كان يمتص انفعالها بقبالته ولمساته المذيبة لها فيسحبها إلى عالمه الذي يفتح ذ ارعيه مرحباً بها.. كان أكثر ما يغيظها هو اهتمام رؤوف الزائد بنعمات بعد كل ليلة يقضيها معها هي حتى أنها بدأت تعتقد إنه يشعر بالذنب لمشاركتها عواطفه الحارة.. لكنها حاولت تجاهل ذلك حتى تستطيع المضي في حياتها التي تريدها أن تستقر بعيدا عن الضغائن والمنغصات وكان لاقتراب زفاف سهير أثره الكبير في رفع روحها المعنوية وخاصة بعد موافقة رؤوف على مرافقتها لسهير في رحالتها الشرائية.. ومساعدتها في تجهيزات الزفاف وتأثيث الجناح الخاص بسهير في منزل عمتها قمر, ولكن أثار تعجبها تأكيده المستمر على عآثار تواجد منذر في تلك الرحلات.. وحاولت سؤاله أكثر من مرة عن السبب ولكنه لم يمنحها إجابة واضحة كعادته كلما أراد المراوغة حول شيء ما…
كانت تلك الليلة التي تسبق الزفاف.. وكانت الاحتفاالت في بيت عبد السلام على أشدها.. حين وصلت سيارة رؤوف وهو يقل نعمات التي تعمدت الجلوس بجواره, ونورا الجالسة في الخلف تبرم شفتيها في حنق.. حيث أن الليلة هي ليلة الحنة لشقيقتها ورغم ذلك لم تتنازل نعمات وتمكث في المنزل, بل قررت الحضور لمشاركتهم الاحتفال, واللادهى من ذلك أنها احتلت المقعد الامامي فوصلت نورا إلى منزل والدها وقد وصل انفعالهالاخره وكادت أعصابها أن تخونها وتفلت منها.. لتوجه إلى نعمات كل ما بداخلها من قهر وحنق.. حين وصل رؤوف إلى باب المنزل الامامي.. ترجلت نعمات وهي ترسل التحية لرؤوف, وحين حاولت نورا الترجل بدورها فوجئت بأن رؤوف قد أوصد الباب بجوارها, فسألته وهي تحاول فتح الباب: ـ رؤوف ما به باب السيارة؟.. أريد النزول..
التفت ليواجهها وهو يمسكها من ذراعها حتى تكف عن محاولة فتح الباب: ـ اتركي الباب.. . سأفتحه حالا.. فقط أريد منك شيئا ..
أجابته بقلق: ـ ماذا هناك يا رؤوف؟.. أجابها في سرعة: ـ أريدك أن تعديني الا ترقصي..
قاطعته بأمل: ـ لكن..
.. ـ ليس هناك.. لكن.. أعتقد أن ذلك حقي.. فأنا لا أرغب أن يراكي الجميع وأنتي ترقصين أعتقد أنني أخبرتك بذلك من قبل. أجابته في حزن: ـ حسناً
.. ترك ذراعها ليرفع ذقنها بأصابعه:انا اخاف عليكي .. أعتقد أن هذا شيء لايسبب الحزن.
ابتسمت قليلا وهي تردد مرة أخرى: ـ حسناً.. ت
_
حركت أصابعه ببطء ليتحسس شفتيها المكتنزتين ويضغطهما برفق: ـ لا تانفعالي.. وابتسمي ابتسامة حقيقية.. وعنآثارا نرجع الي المنزل … ساخبرك بحدث غير متوقع سوف تسعد ِكثيرا
اتسعت ابتسامتها وهي تقول: ـ هل تحاول رشوتي الان ؟..
ضحك بدوره عنآثارا لمس تحسن مزاجها ونظر إلى شفتيها بخبث وهو يقول: ـ لا أعتقد أنني أحتاج لذلك!!. أزاحت أصابعه وهي تقول بانفعال مصطنع: ـ مغــرور.
ضحك مرة أخرى وهي يفتح أبوب السيارة: ـ هيا انزلي يا طويلة اللسان وأبلغي تحياتي وتهنئتي لخالتي شموس ولسهير
.. تحركت نورا لتنزل من السيارة بينما كانت نعمات ترمقهما بنظرات نارية وهي تراقب الحوار المتبادل بينهما والذي لم تتمكن من سماعه ولكنها استطاعت ملاحظة تبدل ملامح وجهيهما.. وكادت عينيها أن تخرجا من محجريهما وهي ترى أصابع رؤوف تتحسس شفتي نورا وهو يرمقها بتلك النظرات المشتاقة.. وهتفت في داخلها:لقد جن ولا شك فى ذلك .. هذا ليس رؤوف المتحفظ البارد, الذي لا يظهر انفعلالته أبدا امام الناس .. لقد أفقدته عقله ابنة شموس”
. تحركت نورا لتصطحب نعمات ليدخلا معاً إلى منزل والدها… وكان مشهد دخولهما معاً لا ينسى حقاً.. فكان كتلا قي ربيع العمر مع خريفه.. كانت الروعة ونضارة الشباب جنباً إلى جنب مع الوقار والكهولة.. كانتا كابنة وأمها.. وذلك ما تردد بقوة من النساء الحاضرات
ووصل إلى مسامع نعمات كخناجر سامة تزيد من جروح كبريائها… لاحظت نورا تلك الهمسات السامة وتأثيرها على نعمات التي ارتعش جسدها وهي تستمع إلى المقارنات التي تعقدها النساء بينها وبين شباب وجمال نورا..
مما أشعر نورا بالشفقة عليها فطلبت منها الصعود إلى غرفة العروس.. لكن نعمات ترددت في إبداء موافقتها.. وفضلت أن تتواجد بالاسفل حيث كانت النساء متجمعات معاً يغنين الاغاني الخاصة بلافراح.. كان بعضهن يتبادلن الاحاديث والاخبار..
بينما كانت صواني الشربات الاحمر تلف على الموجودات تنبأ عن الفرحة والسعادة.. بينما امتدت الموائد تحمل كل ما لذ وطاب من أجود أنواع الاطعمة.. في انتظار جموع السيدات لتتقآثارن وتتناولن عشائهن, ولكن ذلك لم يمنع تراشق النظرات حول نعمات ونورا..
لذلك بعد أن جلستا قليلا مع الموجودات في البهو تحركتا للذهاب إلى غرفة سهير التي كانت تمتلأ بحشد من الفتيات اللاتي كن يرددن الاغاني وكانت بعضهن يتمايلن راقصات..
_
بينما كانت في ركن الغرفة مائدة صغيرة وضعت عليها صينية دائرية بها مجموعة من الشموع وضعن في شكل دائري حول طنجرة كبيرة امتلأت بالحنة.. وكانت الورود منثورة بروعة على المائدة تحيط بالصينية في مشهد رومانسي هادئ… أخذت نورا تبحث بعينيها عن سهير التي ما أن لمحت شقيقتها حتى ارتمت بين ذراعيها وهي تلومها على التأخير ولكنها ابتلعت كلماتها وهي تلمح نعمات خلف نورا, فنظرت إلى شقيقتها بعجب.. فكانت إجابة نورا ضغطة خفيفة على يد سهير حتى تنبهها لتسلم على نعمات كما يجب.
اصطحبتها سهير إلى أحد أركان الغرفة وهي تسألها: ـ لماذا صعدت معِك إلى هنا؟.
اجابتها نورا: ـ السيدات في الاسفل يرمين بكلام كلاسهام السامة… تلك العادة المقيتة لا يتخلين عنها أبدا سواء كان التجمع فرح أو عزاء.. هل تذكرين عزاء عمي عبد الرحمن؟.. نظرت إليها سهير بعجب وهي تقول بنبرة ذات مغزى:
ـ.. أيتها العاشقة.. وهل هذا وقت مناسب لتتذكري ذلك؟.. أم لانه يحمل لديك ذكرى خاصة أيتها العاشقة.
ماذا حدث لك ؟ اري عينك تلمعان بشده… بل ماذا فعلت برؤوف ؟ … . إن منذر يقول أنه تغير قليلاً, بل لقد أمسك به مرة وهو يغني في خفوت!!.
ضحكت نورا بسعادة وهي تضع يديها في خصرها: ـ
آه.. ومادام منذر قال ذلك فهو صحيح مائة بالمائة.. أليس كذلك؟..
احمرت وجنتا سهير وهي تبتسم في خجل وتمسك بيدي نورا: ـ
توقفي عن السخرية.. وبالطبع كل كلام منذر صحيح..
ثم تغيرت نبرتها وقد شحب وجهها قليلا وهي تقول:
_
ـ نورا.. أنا أشعر بذعر شديد.. لا أستطيع أن أتخيل…
قطع كلامها هجوم مجموعة من الفتيات عليهما وهن يحثهن على الانآثاراج في الرقص والاحتفال معهن,
وبدأن بالفعل في جذب سهير التي استجابت لهن وأخذت تتمايل وكأنها تحاول تناسي مخاوفها عبر انآثاراجها مع الموسيقى.. وسرعان ما حاولن جذب نورا حتى تشاركها, ولكن نورا تمنعت وهي تتذكر وعدها لرؤوف.. إلا أن سهير زادت من جذبها لها
.. فنهضت نورا بجوار سهير ولم تنتبه لهاتف نعمات الحديث الذي كان يلتقط بعدسة كاميرته ما يدور..
بحثت شموس عن نو ار بين المدعوات فهي تريد الحديث معها قليلا حتى تطمئن عليه وتحاول سدائها بعض النصح.. وأخيرا وجدتها واقفة ثابتة بجوار سهير التي تتمايل ارقص بسعادة ومعها الصغيرة نادية بينما اكتفت نورا بالتصفيق لهما بحماسة
.. أشارت شموس لابنتها فخرجت لها نورا على الفور: ـ ماذا هناك يا أمي؟.. هل وصل رؤوف؟
.. ابتسمت شموس وهي تربت على وجنة ابنتها: ـ كلا يا حبيبتي.. ولكني أردت الاطمئنان عليك .. هل تمانعين ؟
ابتسمت نورا برقة وهي تمشي في الرواق بجوار أمها حتى دخلتا إلى غرفة شموس وأغلقتها شموس خلفهما.. وعادت لنورا تسألها: ـ نو ار.. حبيبتي.. أريد الاطمئنان علي.. صحيح أنني أرى لمعة في عيني ولكني اشعر ان سعادتك غير متكامله
تنهدت نورا وهي تقول لامها:
ـ وهل توجد سعادة كاملة وخلاصة تماماً يا أمي.. أنا ارضية والحمد الهه.. سعيدة تقريباً. فرؤوف إنسان رائع بحق… ووالدي كان على حق.. هو رجل تتمناه أي فتاة..
_
ثم صمتت قليلاً وارتعش صوتها بعض الشيء: ولكنك على حق أيضاً.. هو رجل متزوج.. ـ
ـ هل تزعجك كثيراً؟
.. أجابتها نورا: ـ كما هو متوقع.. لقد تزوجت زوجها.. يا أمي.. أنا ألتمس لها العذر نوعاً ما.. وخاصة.
قطعت نورا كالمها وقد أدركت أنها كانت على وشك شرح مشاعرها لامها في الليالي التي يتركها فيها رؤوف ليكون مع نعمات.. فاحمر وجهها خجلا.. وأردفت : ـ لقد تمت الزيجة.. وأخيراً منح جدي أبي رضاه الكامل.. والكل فائز.. فلما التساؤل االان؟
رفعت شموس ذقن نورا بحزم: ـ نعم زواجك برؤوف أعاد علاقة الود بين أبيك وجدك..ورؤوف فاز بزوجه جميله
و صغيرة.. ستنجب له بمشيئة الرحمن الذرية التي يبتغيها.. كما أن نعمات لم تطرد من حياة زوجها وحتى لو لم تر ذلك فهي ليست بخاسرة.. فضرتها على الرغم من شبابها وحيويتها إلا أنها لم تحاول أذيتها أو إقصائها من حياة رؤوف, بل تلتمس لها العذر في تصرفاتها الانانيه المزعجه !!!! ولكن ماذا ربحت انت يا نورا ؟ لا تكذبر على نفسك يا ابنه شموس !!!!
أخفضت نورا عينيها عن والدتها وأغلقت أهدابها الطويلة وهي تسأل أمها: ـ ماذا تعنين يا أمي؟.. أجابتها شموس بنبرة ذات مغزى: ـ أعني أن رؤوف رجل رائع .. ولكنه ليس الوحيد.. ولو كنتي رفضتىيه لوقف والدك بجانبك ولم يكن ليجبرِك على الزواج منه.. حبيبتي.. صارحي نفسك بسبب موافقتك عليه ..حتي لا تحصري نفسك في دور الضحية فتتحول سعادتك الناقصة إلى تعاسة تامة.. وافهمي طبيعة زوجك.. فهو لم يعرف الحب.. حتى يتعرف على مشاعره ويدركها الان.. سوف أسالك سؤلا واحدا ولاأريد سماع جوابه, لكني أريد من أن تجاوبي نفسك عليه وبصراحه .. هل
تحبين زوجك؟.. هل تحبين رؤوف؟..
نظرت لها نورا وآثاروعها تترقرق في عينيها.. ورأسها تتحرك بالموافقة بدون إرادة منها.. فعاودت شموس احتضانها وهي تهمس: ـ لا عيب في ذلك يا حبيبتي.. ولا حاجة للحزن.. فأنا موقنة أن رؤوف يشعر بالمثل..
صدقيني.. صدقي أمك.. وامنحيه الفرصة ليتعرف على مشاعر لم يعرفها من قبل, بل لم يكن يعترف بوجودها من الاساس
_
.. صمتت قليلا لتردف: انت تعرفين أسلوب جد ِك الصارم في الحياة, وهذا هو كل ما عرفه رؤوف.. فقط امنحيه ـ
المساحة ليعيش سنوات سلبت منه, وهو سيكون طوع بنانك..
كانت كلمات أمها تتردد في عقلها وهي جالسة في سيارة رؤوف في المقعد الامامي تلك المرة.. ولكنها كانت تشعر بنظرات نعمات تأتيها من المقعد الخلفي كالرصاصات فعلى ما يبدو أن رؤوف هو صاحب فكرة جلوسها بجواره تلك المره وابعاد نعمات إلى المقعد الخلفي..
كانت تصلها كلمات متناثرة عن الاحتفال بالحنة وفرحة العروس وصديقاتها.. إلا أن ما جذب انتباهها كلمات نعمات حول مقطع فيديو التقطته لسهير وهي ترقص برفقة نورا,
وأنها كانت تتمنى عرضه على رؤوف وأضافت ضاحكة.. إنها لا تظن أن منذر سيرضى بذلك
.. كانت السيارة قد وصلت للحديقة الامامية لبيت رؤوف مع نهاية كلمات نعمات,
فأوقف السيارة بغتة مما جعل نورا تصطآثار بالزجاج الامامي, ولكنها تحركت بسرعة لتترجل من السيارة قبل أن تإيذاء تلك السيدة في الخلف.. فهي تكذب وبصفاقة منتهزة فرصة استحالة عرض الفيديو على رؤوف
.. لذلك تحركت بخطوات غاضبة نحو غرفتها ولكنها ما أن دلفت إليها حتى فوجئت برؤوف خلفها يجذبها من ذراعها ليلفها إليه وهو يصرخ بها: ـ لا أدري ماذا أفعل حتى تنفذي ما أقول؟.. هل امتثالك لطلب بسيط يمثل لك تلك الصعوبة؟.. لماذا تعاندين وتتمردين على أبسط الامور؟
.. صاحت به بدورها وهي تلمح نعمات واقفة تراقب المشهد:
ـ أنا أخبرِك الان.. أنا لم أرقص.. لقد نفذت ما طلبته مني.. وكف عن الصراخ بوجهي.
_
وتهدج صوتها وهي ترمي نعمات بنظرة تحاول أن تفهمه الا يصرخ بها أمام نعمات: ـ لماذا يجب أن تصيح؟.. الا تستطيع أن تتفاهم بصوت هادئ؟
. فهم تلميحها.. وأزعجه أنه فقد أعصابه عليها أمام نعمات.. والم نفسه على عصبيته واندفاعه.. لمحت نظراته التي بدأ يخف انفعالها قليلا مع رؤيته لآثاروعها تلتمع في حدقتيها وهمس:. ـ ال تبكي أرجو ِك يا قمر لا تبكي
عنآثارا سمعته يناديها بقمر شعرت بأنه يرغب في تصديقها ترغب في ذلك فلقد ركبتها كل شياطينها وقررت تلقينه درساً.. حتى يتوقف عن اندفاعه األعمى في تصديق كل ما تخبره به نعمات.. فنزعت ذ ارعها من يده وأ ازحته جانباً.. وتحركت بسرعة نحو نعمات وجذبت منها حقيبتها الصغيرة لتسحب الهاتف بسرعة وتعود إلى غرفتها وقبل أن تغلق الباب قالت لنعمات:عفوا .. سوف استعير هاتفك وساعيده لكي في الصباح .., تصبحين على خير.. يا خالتي
.. ثم أغلقت الباب بقوة والتفت لرؤوف الذي كان يتأملها بقلق: ـ نورا.. ماذا يحدث؟
.. كانت أصابعها تعبث بالهاتف في سرعة حتى و صلت إلى الفيديو الذي تدعي نعمات برقصها فيه وكان حين جذبتها سهير فوقفت بجوارها لتصفق فقط بينما سهير هي من كانت ترقص
.. مدت يدها إليه بالهاتف, فنظر إليها بعآثار فهم:
نورا انت تعلمين ان شقيقتك …. منذر …..
كانت جملته متقطعة ولكنها فهمت ما أراده فأجابته بسخرية: ـ هل تظن أنني سأعرض عليك رقص شقيقتي.. تفضل وانظر بنفسك فأنا سأغطي صورتها بأصابعي..
أشار لها بيده وهو يقول لها: ـ كفى يا نورا.. انتهى الموضوع..
وضعت يدها في خصرها وهي تشير له بالهاتف: ـ وهل انتهى الموضوع ألن سموك أعلنت ذلك؟.. أم أنك تعطفت وتكرمت وصدقت ما خبرتك به؟.. أم يا ترى أعملت عقلك وقررت أن تتروى قليلا قبل أن تهاجم مثل الدب الشرس ؟
_
صرخ بها:.. ـ نو ار!!.. انتبهي لالفاظك.. لقد اخبرتك ان الموضوع انتهي واعتذرت بالفعل
صرخت بسخرية: .. ـ اعتذرت!!!!.. متى أيها السيد؟.. ثم أن الموضوع لم ينته أنا مصرة أن ترى مقطع ِ الفيديو الموجود في هاتف نعمات
.. جذب منها الهاتف بقوة وألقاه نحو الحائط فسقط متحطماً لعدة قطع.. والتفت لها: ـ لقد انتهى الموضوع الان..
ثم أردف بلهجة أقل حدةاً:
ـ أنا آسف.. أرجو فقط أن تقدري أنني…. أخاف عليك
نظرت إليه قليلا وما زال الانفعال يتملكها, كانت نظراته تتجاوب مع تأملها له وكانت تلتمع عينيه بنظرة أدركتها..
وبدأت تفهم أنه يرغبها الان .. لذلك يحاول التغاضي عن الموضوع.. فقررت تلقينه الدرس لنهايته, خلعت الشال الذي تلف به كتفيها.. فظهر فستانها الرائع ذو اللون الخمري.. فستان ناعم من الحرير مزموم عند صدرها بفراشة ماسية رائعة ثم ينسدل بروعة ليالمس جسدها بنعومة.. فيظهر روعة وجمال قدها الرقيق الذي أشعل جسد رؤوف وهو يراها تمسك شالها وتلفه حول خصرها بهدوء ثم تتحرك لتذهب إلى مشغل الاسطوانات.. وتضع أغنية أم كلثوم “ألف ليلة”.. ثم تتمايل بجسدها على نغمات الموسيقى… حتى وصلت إليه فدفعته على صدره ليسقط على الاريكه خلفه وهي تهمس:
ـ بما أنك حطمت الهاتف.. فسأريك كيف يكون الرقص!!.. حقا
استمرت في تمايلها مع نغمات العبقري “بليغ حمدي” حتى اقتربت من باب غرفة النوم فتحرك هو سريعاً ليمسك بها وقد ادرك نيتها لكنها كانت اسرع منه وهي تغلق باب, بينهما بقوة قبل أن توصده بالمفتاح وهي تقول: ـ ليلة سعيدة.. انتهى العرض. حاول فتح مقبض الباب أكثر من مرة وهو يناديها: ـ نورا.. افتحي الباب.. لقد اعتذرت بالفعل.. صدقيني إن انفعالي ينبع من.. من.. قلقي عليك.
علي للمرة الثانية تشعر به يتردد أمام كلمة قلقي.. هل يقصد أنه يغار؟… عاد صوته يدوي مرة أخرى: ـ افتحي الباب يا قمري.
_
أدركت أنه يستخآثار اسمها الذي يناديها به في لحظاتهما الحميمة حتى يؤثر عليها, وللعجب زاد ذلك من عنادها..
فقالت له بجرأة: ـ اذهب لنعمات.. وحاول إيجاد تفسير مقنع لتحطيمك هاتفها
.. سمعت صوت أنفاسه الغاضبة من خلف الباب وهو يهتف بانفعال: ـ نورا.. ما تفعلينه هو خطأ.. ثم تردد قليلا وهو يردف: هكذا تمنعينني عن حقي.. وستلعنك الملائكه و…
توقف عن الكلام وهو ياعتداء رأسه بباب الغرفة بقوة.. حتى أن نورا سمعت صوت ارتطام رأسه بالباب..
و لكن كلامه كان أطار ما تبقى من هدوئها..
ففتحت الباب بحدة وهي تحملق فيه وعينيها متسعتين من الانفعال.. تأملها قليلا بوجهها المحمر من الانفعال والشر ارت النارية تتطاير من عينيها اللاتين أصبحتا في لون الذهب السائل واختفى لون العسل منهما.. وشفتيها اللاتين كانت تبرمهما في حنق من كلامه.. كانت صورتها مآثاررة لمشاعره التي أشعلتها برقصتها المغوية.. وكانت واقفة أمامه بمنتهى التحدي بأن يتقآثار ويأخذ ما هو حقه..
اقترب قليلا منها فغمرته لرئحة عطرها والتي آثاررت ما تبقى من سيطرته على نفسه, مد يده ليلفها بذراعه ويطبق على شفتيها بتحية قوية لم تستجب لها في البداية, ولكن سرعان ما بدأ يشعر ببداية استجابتها.. وهي تبادله قبلته.. كانت بين ذراعيه.. دافئة.. ومغرية.. وراغبة في مجاراته وتنفيذ رغباته.. لكنه أدرك أنه لو استمر.. فإنها قد تكرهه وتكره نفسها بعد ذلك.. ابتعد عنها قليلا وهو يتنفس بصعوبة
وهمس لها: انت لا تدركين مدى روعتك الان .. ولكني لن افرض نفسي عليك
تركها وخرج من جناحهما وهي واقفة مذهولة مما حدث, ففي ثانية كانت تحترق انفعالاً منه لكنه سرعان ما أذاب انفعالها كالعادة بعاطفته ثم.. ثم تركها وخرج عنآثارا بدأت تتجاوب معه!!… هل ذهب إلى نعمات كما طلبت منه من قبل؟.. ستإيذاءه.. ستإيذاءه إن فعل.. ظلت تجوب الغرفة ذهابا. إياباً..
. وا أعادت في رأسها ما حدث منذ بداية الليلة.. وحاولت أن تفهم ما الذي دهاه ليكون بمثل تلك العصبية التي ظنت أنها شفته منها.. لتعود جملته لتتكرر في ذهنها. انا اخاف عليك .. انا اخاف عليك …
_
هل يقصد بقلقه.. غيرته؟.. هل يغار عليها بالفعل؟.. هل يحاول إفهامها أنه فقد أعصابه نتيجة للغيرة؟!!.
.هل ما قالته أمها صحيح.. وهو يكن لها مشاعر بالفعل, ولكنه غير قادر على التصريح بما يشعر به؟.. أو غير قادر على إدراك تلك المشاعر و تفسيرها.. أرهقها التفكير.. وأتعبتها حيرتها… وكادت تبكي كلما تصورته وهو يصعد ليقضي ليلته مع نعمات.. وظلت تلوم نفسها بشدة إلتاحة الفرصة للعجوز لتشمت بها.. وتفسد وقتها مع رؤوف.. كانت تصيح بنفسها:
انت غبية.. غبية”. ”
في أثناء انغماسها في تقريع نفسها لمحت ضوء خافت من نافذة مكتبه المواجهة لنافذتها.. كان ذلك الضوء الخافت بمثابة منارة في وسط عدم عدالةات حيراتها.. لادراكها أنه ذهب إلى مكتبه ولم يذهب لنعمات.. لذلك قررت أن لا تدعه يبيت الليلة وهما على خصام
الفصل التاسع
اسرعت وارتدت قميص نوم لونه يشبه الشيكولاتة الذائبة .. كان قصيرا بصل الى ركبتهاا بالكاد.. وله فتحة صدر واسعة.. تكشف عن بشرتها السمراء الجذابة.. ثم ارتدت الروب الذي يتناغم مع القميص واتجهت إلى مكتبه في إصرار
.. أما نعمات فكانت تراقب باب جناح نورا بإصرار وما أن لمحت رؤوف يخرج من الجناح ويتجه إلى مكتبه حتى أسرعت لغرفتها.. وبدأت في البحث وسط خزانتها حتى وجدت إحدى الغالالت التي كان يفضلها رؤوف فسارعت بارتدائها وأعادت زينة وجهها استعدادا لتذهب إليه وتقآثار مواستها ودعمها له..
ضغط رؤوف على مفتاح نور المكتب الجانبي فسبحت الغرفة في ظلام لم يكسره إلا ضوء القمر المنبعث من النافذة وأخذ يدور بكرسي مكتبه يمنة ويسرة.. يحاول أن يفرغ رأسه من الافكار التي تدور بها.. يشعر أنه دخل بقآثاريه في دوامة ولا يعرف الطريق للخروج منها.. لطالما تجاهل حديث المشاعر والاحاسيس وظنه للمراهقين والصبية أو لمن يريدون التسلية فحسب, لكنه و جد نفسه الان يتساءل عن صحه تفكيره.. وهل ما يربطه بنورا هو عقد زواج تم بناء على تفكير عقلي فحسب؟.. سخر من نفسه أي عقل وأي تفكير؟.. لقد انطلق اسمها على لسانه بدون أي إرادة من عقله عنآثارا عرض جده عليه الامر؟.. هل هذا هو الحب الذي لطالما سخر منه؟.. أنه لا يدري..
فقط يعلم أن حياته تغيرت من اللحظة التي ارتبط فيها بها.. أصبح لحياته نكهة مختلفة.. نكهة يكاد يجزم أنه أآثارن عليها مثل إآثارانه على رائحة التوت البري التي تنبعث من شعرها أو إآثارانه لرؤية توترها الذي يدفعها لتقوم بتلك الحركة الفاتنة بشفتيها.. بل أنه يدفعها للعصبية أحياناً حتى تقوم بتلك الحركة فقط.. كما اكتشف أنه يهوى صوت الموسيقى الذي ينبعث مع ضحكاتها.. والطريقة التي تغني بها وهي تدور مثل الفراشة في المنزل وخاصة عند اعدادها للقهوة التي أضحى يآثارنها من يديها
.. مسح وجهه بكفيه.. وهو يدرك أنه يغرق أكثر وأكثر.. يغرق في بحور لم يعرفها من قبل.. ينغمس في أحاسيس كان يظن نفسه لا يمتلكها.. فحياته مع جده ومن بعده نعمات لم تؤهله ليتعامل مع فيض هذه المشاعر.. لقد عاش لسنوات حياة أشبه بمياه هادئة لم تؤثر فيها أي رياح أو أعاصير.. باستثناء المحاوالت الحثيثة للانجاب إذا اعتبرت تلك المحاولات أزمات من أزمات الحياة.. أما بخالف ذلك فكانت حياة روتينية هادئة لم تعترضها أي عواصف..
_
حاول أن يخرج ما بنفسه في صور هزلية كعادته ولكن لاول مرة تفشل الاوراق والالوان في مساعدته على تصفية أفكاره التي تعصف بشدة..
رمق دفتر الرسم الكبير على المكتب وكأنه يناجيه.. يتوسله أن يفسر له ماذا يجري معه؟.. ما تلك الاحاسيس والمشاعر التي تموج بداخله؟.. لاول مرة يشعر أنه فاقد السيطرة على ما يدور حوله.. فاقد للسيطرة على أفكاره وأحاسيسه ومشاعره.. إنه يفقد أعصابه وينطلق انفعاله بسرعة شديدة وخاصة عليها.. على نورا.. كلا ليست نورا.. إنها قمر.. قمره هو.. نهر نفسه بانفعال.. ما هذا اللغو الذي تتفوه به؟.. إنها فتاة متمردة لا تستطيع تنفيذ ما يطلب منها.. تتعمد دائماً إثارة انفعاله وفعل كل ما يثير الحنق..
عاد يرمق دفتره مرة أخرى وهو يتساءل عن رأيها في هوايته تلك.. لقد رفض جده االاعتراف بها تماماً مبدياً أريه أنها مجرد شخبطات… أما نعمات فثارت ثائرتها عنآثارا لمحتها وظنته يسخر منها.. ولم تستطع استيعاب أهمية تلك الهواية في حياته فهي تراها سخرية وقحة من البشر… ترى ماذا يكون رأيك يا قمري؟… هل ستعتبرينها شخبطة أم وقاحة؟.. أم ربما يكون رأيك اقسى من ذلك؟.. أرجع رأسه للخلف وأغمض عينيه يحاول تجميع شتات نفسه.. وظل على هذا الوضع لفترة وهو يسترجع ذوبانها بين يديه منذ قليل.. لقد استجابت له ولعاطفته بر غم انفعالها منه.. وهو كان مستعد لإلستمرار رغم إدراكه لذلك الانفعال.. لقد احتاج سيطرة عنيفة على مشاعره حتى يبتعد عنها.. فهو لم يصدق لسانه الذي اندفع ليخبرها أنها تحرمه من حقوقه.. وأن الملائكة ستلعنها.. لم يصدق أنه وصل لهذه الدرجة من اليأس حتى يقنعها بأن تفتح له بابها وذراعيها
… فتح عينيه ورمق الاريكة القابعة أمامه.. وابتسم بسخرية من نفسه.. يستر جع ليالي طويلة قضاها على أريكة مماثلة في بداية زواجه من نعمات..
نعمات.. إنه في حاجة إلى حوار مطول مع نعمات.. قد يستوعب الغيرة النسائية العادية بينهما.. وليس بخافي عليه محاولات نعمات لاستفزاز قمر, ولكن ما حدث اليو م كان أكبر مما يتوقع..فهو لم يتخيل امرأة في عقلها ورصانتها تسجل حفل لفتيات صغيرات ثم طريقتها في إخباره عن ما حدث كانت كفيلة باخراجه عن شعوره.. وكاد أن يفعل بالفعل لولا آثاروع نو ار التي لمعت في مآقيها ومنحته شعور بالعجز أمامها….
. تباً عود به إليها إن أفكاره ت دائماً.. ترى ماذا تفعل الان؟.. لف بصره ناحية نافذة المكتب المواجهة لنافذة جناحها لعله يلمح أي ما تفعله.. ولكن وياالاعجب لمح طيف يحاول الدخول عبر نافذة مكتبه.. أغمض عينيه وفتحها مرة أخرى في محاولة منه إلجلاء نظره, الا أن الشبح الذي يحاول اقتحام النافذة كان قد أدخل نفسه بالفعل داخل الغرفة.. انتفض رؤوف وهو يصيح: ـ من؟… من أنت؟
.. جاءه صوت نورا وهي تهمس: ـ من تعتقد؟… أنا نورا.. إن الحديقة الداخلية بين نافذتينا مغلقة.. فمن تنتظر أن يأتي عبر النافذة؟.
قال لها وهو يبتسم:صحيح من من أن يتصرف بهذه الطريقة الغير متزنة سواك؟؟؟
وضعت يديها في خصرها كعادتها وهي تقول بانفعال: ـ ماذا تقصد بغير متزنة؟..
أجابها وما زالت الابتسامة معلقة على شفتيه وهو يشير للباب: ـ لماذا لم تستخآثاري الباب؟..
_
أخذت ترمقه بمكر ثم دارت حول نفسها وهي تتمسك بأطراف الروب السفلية و تفردها حولها مثل جناحين:
ـ لقد خشيت أن يلمحني أحد وأنا بمثل ذلك الرداء؟
.. لم يتمالك نفسه فتعالت ضحكاته..
فتوقفت هي عن الدوران وهي تحكم لف نفسها بالرداء.. فأبرز تفاصيلها الانثوية الخالبة..
فتوقفت ضحكاته بينما أعدم عدالةت نظراته وهي تتأملها…. وحين لمحت هي تغيير نظراته ابتسمت ببراءة وهي تسأله: ـ ما الذي كنت تفعله؟
.. أجاب بسرعة: ـ كنت أراجع بعض أوراق العمل المتأخر
ابتسمت بسخرية: ـ في الظلام!!! أ
عاد اجابته: ـ أعني أنني انتهيت من مراجعتهم بالفعل..
عادت تبتسم له ببراءة وهي ترفرف بأهدابها: ـ وماذا كنت تنوي أن تفعل بعد ذلك؟..
تنهد بحرارة وهو يقول: ـ حسناً يا قمر.. فلنكف عن الادعاء.. انا لم أكن أعمل.وانت ؟…. لم انت هنا؟؟!!!!
_
علمت أنه متأثر بها مهما حاول ادعاء اللامبلالة فهو يناديها بقمر ثانية..
اقتر بت منه بهدوء وهي ترفع عينيها متسائلة: ـ قمر؟.
.. شدها إليه يلصقها به وهمس لها: ـ نورا.. ماذا تريدين؟.
. أجابته بخفوت: ـ أنت!
سألها مشدوهاً: ـ أنا!!!
تملصت من بين ذراعيه برقة وهي تتجول في الغرفة وتقول: ـ أنت أخبرتني في السيارة أنك تعد لي حدث غير متوقع, ولم تخبرني ما هي؟
.. نظر إليها مصدوماً بينما ظلت ترمقه ببراءه وهي تكمل جولتها في الغرفة حتى وصلت إلى مصباح المكتب فضغط على مفتاحه لينير الغرفة ضوء خافت عكس ظلاله على ردائها مما زادها روعة وهي تجلس على كرسي مكتبه فتغوص فيه
.. فكر في نفسه أنها أكبر من الآثارية بقليل.. كيف يتركها تتلاعب به هكذا؟
.. لمحها وهي تمد يدها لدفتره.. وبدأت تتصفحه بالفعل.. فتحرك ليسترده منها.. الا أن عينيها كانتا لمحتا واحدة من رسوماته.. والتي تمثل ليلة زفافهما بالذات..
حيث رسم نورا بثوب زفافها وهي تركله ككرة القآثار خارج جناحهما إلى ذراعي نعمات التي عبر عنها كحارس للمرمى وهي تتلقاه وتسحبه خلفها وهي تلقي بالتحية لنورا !
_
كان يراقبها وهو يشعر بنفسه مثل التلميذ الذي ضبط بالجرم.. وكان ذلك يشعره بالانفعال
.. لكنها أخذت تتأمل الرسمة للحظة… ثم تعالت ضحكاتها تلك ذات الجرس الموسيقي الذي يطربه.. وقالت من وسط ضحكاتها: ـ رؤوف إنك تذهلني
!! سألها بقلق: ـ ماذا تعنين؟
.. أجابته بصراحة: ـ أعني.. أنني لم أظن أنك تهوى الفن الساخر.. إنك حقاً ملئ بالمفاجآت
.. ثم تحركت من على الكرسي لتواجهه: ـ إنك تمتلك موهبة رائعة.. أتعجب كيف لم تحاول دراسة الفنون لتصقل تلك الموهبة!!
أمسك كفيها برقة وهو يسألها: ـ هل هذا ما تظنينه حقاً؟.. ألا تشعرين بالانفعال من عرضي لذلك الموقف بتلك الطريقة؟
ابتسمت وهي تجاوبه بهدوء: ـ حسناً.. من الممكن أن يانفعالنى ذلك … ولكن قليلا فقط.. لكني لا أستطيع أن اخدع نفسي.. إن الموقف كان مضحكاً فعلا.
ثم سألته بانفعال مصطنع: ـ إذا ً هذا ما تفعله في مكتبك طوال الوقت!! , وأنا التي تظن أنك مطحون بأعمال العائله !! جذبها لصدره بحسم وهو يقول:قمر.. لماذا اتيت الان؟.. لقد ابتعد ت حتى لا أفرض عليك وضعا لا ترغبين فلماذا تزيدين الوضع علي؟
.. رفعت ذراعيها لتعقدهما حول عنقه وهي تهمس: ـ بالعكس.. أنا لا أفعل.. أنا لا أزيد الوضع صعوبة.. لقد ابتعدت أنت, وأنا جئت إليك.. أعتقد أن هذا يوضح كل شيء
.. بعد سماعه لكلامها لم يستطع الا أن يضمها بقوة وهو يرفعها عن الارض حتى يستطيع بثها قبالته كما يرغب..
_
همست أمام شفتيه: ـ أنت تعلم أنني كنت لاإيذاءك لو كنت صعدت للطابق الاعلى!!
سألها بهمس: ـ هل تغارين يا قمري؟
.. أجابته وعينيها تنضح هياماً: ـ بجنون.. أغار بجنون
. عاد ليتناول شفتيها مرة أخرى وهو يضغطها بقوة لجسده ويديه تتحرك بسرعة ليخلصها من الروب الذي يخفي جسدها عنه ولكنها كانت عاقدة لذراعيها خلف عنقه, تسند نفسها إليه فلم يجد بديل عن تمزيق الروب الذي استجاب نسيجه الرقيق لجذب رؤوف له فتمزق إلى قطعتين القاهما بعيدا ً ليرفعها بين ذ ارعيه ويتجه إلى الاريكة وهي ما زالت بين أحضانه
تبادله جنون بجنون.. وتوق بتوق.. فلم يشعرا بالباب الذي فتحته نعمات بهدوء شديد, فأ اردت أن تفاجئه بدخولها عليه.
.. ولكن كانت الحدث غير متوقع تظن أن رؤوف وحيدا من نصيبها هي… وهي ترى نورا بين ذراعي رؤوف على الاريكة يتبادلان القبل وهما غائبان عن ما حولهما
.. استدارت نعمات لتعود من حيث أتت, فيبدو أن الصغيرة هي من كسبت معركة الليلة على أي حال.. ويجب عليها الاعتراف بالهزيمة أمامها.. الا أن شيطانها أبى عليها أن تتركهما بدون أن تترك ظلال رمادية على سهرتهما,
فعادت لتدخل الغرفة وهي ترمق الجسدان الملتحمان بحقد, ثم أغلقت الباب بقوة فأصدر صو ٍت عا لا انتفض ؤوف على إثره بينما تجمدت نورا بين ذراعيه.. وهي تسمعه يصيح بانفعال: ـ ما هذااااااااا!!
تظاهرت نعمات بالاسف وهي تقول بحرج مفتعل: ـ آسفة.. لقد ظننتك وحيدا .. ويبدو أن الباب أفلت من يدي فأغلق بصوت عا ٍل
رمقها رؤوف بعآثار تصديق وهو يحرك جسده بسرعة كي تحتمي نورا خلفه ويمد يده ليلتقط ثوب نومها من على الارض ويعطيه لها..
_
ثم رفع بصره لنعمات وهو يسألها بانفعال واضح.حسنا لقت اتايت وتاكأت اننب لسست وحيدا .. فهل تحتاجين شيئاً؟
لاحظت نعمات لهجته الحدة زائدة والطريقة الغاضبة التي يحدثها بها للمره الاولي فهمست بصوت مجروح: ـ
رؤوف!!
همسها المجروح أشعل انفعال نورا التي كانت ارتدت ثوبها وأخذت ترمقها من تحت أهدابها بغيظ وهي تركتز على كتف رؤوف من الخلف..
فهبت واقفة فجأة مما لفت انتباه رؤوف فقال لها بصوت مسموع: . ـ معذرة يا نو ار.. اذهبي الان وسوف ألحقبيك بعد قليل
رمقته بانفعال قاتل, فرفع يده ليمسد وجنتها وهو يقول برقة: ـ لن أتأخر.. فقط أريد نعمات في حديث قصير
.. تحركت نورا باتجاه الباب لتعود إلى حجرتها الا أنها عنآثارا وصلت بالقرب من نعمات التفتت لرؤوف وهي تقول: ـ روؤ ف.. لقد نسيت الروب.. هل تتذكر أين ألقيت به؟
كتم رؤوف ضحكته بصعوبة وهو يتناول سترة بذلته من على ظهر كرسي المكتب ويقترب منها ليلفها بها وهو يقول: ـ أعتقد أن هذه ستفي بالغرض.. والان اذهبي
.. تحركت نورا بخفة لتذهب الا أنه استوقفها: ـ نورا.. أعدي نفسك للسفر إلى االسكندرية بعد زواج سهير..
رمقته نورا بعآثار تصديق وهي تنظر لنعمات بتساؤل.. ففهم ما تريد قوله و أردف: ـ نحن الاثنان فقط..
_
قفزت نورا بسعادة وهي تعود لتلقي نفسها بين ذراعي رؤوف وتصرخ بابتهاج..
بينما تجمدت نعمات تماماً وهي ترى المشهد أمامها وتتساءل
“وماذا بعد يا رؤوف؟… هل تعمدت ذكر ذلك أمامي كي تعاقبني؟.. أم حتى أصمت و لا أعترض؟
“… انتبهت أنها اصبحت بمفردها مع رؤوف الذي كان يغلق أزرار قميصه بتكاسل,
فقررت الهجوم مباشرة: ـ لماذا ستصطحبها إلى الاسكندرية؟.. أ
جاب رؤوف سؤالها بسؤال: ً ـ ولماذا لا أصطحبها؟.. لقد ذهبتى معي مرارا
أجابته بتلعثم: ـ نعم.. ولكن ألن يكون هناك الكثير من الاعمال التي عليك متابعتها في الشر كة, وخاصة الان بعد زواج منذر؟
.. أجابها في هدوء: ـ نعم.. وهناك بعض الصفقات التي يجب عقدها باالاسكندرية لذا.. سأاعتداء عصفورين بحجر واحد..
ـ كم ستغيب؟
.. رد بحزم:.. ـ نعمات.. ليس هذا ما أردت الحديث معك بشأنه. وانتي تعلمين ذلك
_
قاطعته بتوسل: ـ رؤوف
أسكتها بإشارة من يده وهو يقول:انت تعلمين جيدا أنه ما كان يصح أن تسجلي علي هاتفك ما يحدث في جلسة كلها فتيا ت وسيدات … تلك أشياء بديهية ولست في حاجة لافت نظرك إليها
. سألته بذهول: ـ هل رأيت مقطع الفيديو؟
أجاب بحدة: ـ وهل هذا يهم؟… أم أنه كان من الممكن أن يشاهده أي شخص غيري.. أوحتى أي واحده من الخآثار وهم انت اخطات بشده لقد كنت ضيفه في منزلهم وهم استامنوك وانت صورت ما يحدث بدون أن تخبريهم, أين كان عقلك؟
كم تمنت أن تصرخ في وجهه.. ” كان عقلي معك.. أنت وأحولك التي تبدلت… ومشاعرك التي أصبحت تجرفك نحو ابنه عمك الصغيرة لتجعلك تفقد احساسك بالمكان والزمان لتتبادل معها المشاعر في غرفة مكتبك حيث من الممكن أن يفاجئكما أي شخص.. يا إلهي كم تغيرت في غضون أسابيع قليلة..
لقد أصبحت أشعر أنك غريب أعرفه للمرة الاولى وليس زوجي للخمسة عشر سنة الماضية”
عادت من حديثها لنفسها على صوته وهو ينهي الحوار: ـ أرجو أن تنتهي تلك المشاحنات والمشاكسات بينك وبين نورا.. أريد أن يعم الهدوء مرة أخرى… تصبحين على خير..
ثم خرج وتركها وحدها.. تحترق و سط غيرتها وانفعالها من تلك الصغيرة اللعوب الذي استطاعت طويه تحت جناحها في غضو ن أسابيع قليلة.
دخل إلى جناح نو ار التي كانت تذرع الغرفة جيئة وذهاباً.. قلقة أن يتسبب احساسه بالذنب الدائم نحو نعمات الان يصعد معها.. ويتركها هي.. وعند سماعها لصوت باب الجناح الخارجي يغلق..
التفتت بسرعة لتواجهه وهي تهمس: ـ لقد أتيت!..
_
رمقها بدهشة: بالطبع.. لقد أخبرتك أنني سوف ألحق بك
كانت تفرك بيديها كعادتها عنآثارا تتوتر…
فتقآثار منها ليمسك بهما ويرفع ذراعيها حول عنقه وهو يضمها: ـ والان.. ماذا كنا نقول قبل أن يتم مقاطعتنا!!
وافقته: ـ نعم.. قوطعنا بوقاحة.
. تمتم بقلة حيلة وهو يميل ليقبلهاـ لا حل في لسانك أبدا
لم يكن حفل زفاف سهير أقل روعة وفخامة عن زفاف نورا.. وكانت العروس كالمالك الناعم بزينتها الهادئة التي تتناسب مع فتنتها الطبيعية وثوب زفافها المذهل بتنورته الواسعة
جدا انت تبدو في أوج ً التي تناثرت عليها اللالئ والماسات الصغيرة في تناغم فني بديع. وكانت تبدو في أوجه سعادتها وهي متعلقة بذراع منذر الذي كان الحب والعشق ينساب مع نظراته لها.
. أخذت شموس تتمتم بآيات من القران قلقا عليهما من العين والحسد.. وكذلك قمر
وهي ترمق ابنها األصغر وهو يجلس بجوار عروسه الفاتنة.. فجاءت نورا من خلفهما وهي تقول: ـ ماذا تفعل أجمل سيدتين في الحفل؟
.. التفتت لها عمتها قمر وهي تقول:
_
نورا.. هل اشرفت على كل شيء في جناح العروسين؟ ـ
طمأنتها نورا وهي تقول: ـ لا تقلقي.. لقد رتبت كل شيء تبعاً لاوامرك وأوامر أمي
.. تحركت شموس وهي تقول: ـ يبدو أن سهير تشير لي.. سأذهب لها
تحركت نورا لتذهب مع أمها..
فأوقفتها يد عمتها: ـ انتظري يا نورا..
سألتها نورا: ـ هل تحتاجين شيئاً يا عمتي؟
أجابتها عمتها وهي ترمق معدتها بنظرة ذات مغزى:
هل من أخبار سعيدة؟
توردت وجنتي نورا: ـ عمتي
!!! سألتها عمتها بتعجب: ـ لماذا الخجل… إن نظرات ابن أخي تأكلك أكلاً…. ِوانت أيضاً عينك تتبعاه طوال الحفل
_
فمن الطبيعي أن أسأل!!
برمت نورا شفتيها وهي تقول: ـ عمتي.. ليس هذا وقته.. إنه زفاف منذر وسهير
تحركت عمتها لتذهب لولدها ولكنها همست لها قبل ذهابها:
إذا كنت تحملين لان أخي مشاعر قوية, فلا تترددي في إخباره.. كوني انت البادئه
أشعريه أنه محبوب لذاته.. لنفسه.. ليس لانه رجل العائلة الالمع في إدارة شئونها.. وليس لانه سيحقق حلم امرأة لتكون أما
و من سيوفر وريث للعائلة.. تعلمي من أمك يا ابنة شموس.. إن أبا ِك وقف لاول مرة في حياته أمام جدك ورفض تنفيذ أمره من أجل عشقه ألمك… تعلمي كيف تمتلكين مشاعر زوجك
.. ثم أردفت وهي تمط شفتيها
أتمنى أن تكون شقيقتك في مثل بلاهتك… والا ستستحوذ علي ابني الحبيب منذر!!!
بعد أن تركتها عمتها تسمرت نورا في مكانها وهي مذهولة مما سمعته منها..
وأخذت تتمتم: ـ ما بهم جميعاً يلقوم بنصائحهم فوق أرسي!!!
_
التفتت لتذهب لسهير ولكنها التقت بعينين يتأملانها بخبث.. فتعرفت على قاسم ابن عمتها قمر وشقيق منذر الاكبر.. الذي شعرت بعينيه تتابعنها منذ بداية الحفل.. أصابتها نظراته بالقشعريرة والقلق فتحركت عينيها تلقائياً تبحث عن رؤوف حتى وجدته بجانب جدهما فتوجهت نحوه مسرعة تحتمي بوجوده بجانبها من تلك النظرات الشريرة
.. أحاطها رؤوف بذراعه ما أن خطت بجواره..
فنهره جده بحزم: ـ رؤوف.. إنك في مكان عام ولست في غرفة نومك
!! كادت نورا أن تلقي ملاحظة لاذعة عن تفكير جدها العتيق إلا أن ذراع رؤوف التي اشتدت حول خصرها قبل أن تتركه حذرتها بأن تحتفظ بلسانها داخل فمها.. فابتلعت كلماتها وآثرت الصمت
وهي تسمعه يهمس: ـ سوف نضطر للسفر بعد الزفاف مباشر ة
.. سألته بدهشة: مباشرة!!.. لقد ظننت أننا سنسافر غدا مساء
ـ لقد تغيرت بعض الظروف.. سأخبرك بها لاحقا
سكتت على مضض لوجود جدهما بجوارهما
وهي تقول: ـ حسنا
أخذت سهير ترتجف بشدة وهي تودع نورا أمام منزل عمتها قمر.. وأمسكت نورا بكفي شقيقتها فوجدتهما قطعتين من الثلج.. فأخذت تفركهما بشدة حتى يسري بعض الدفء فيهما وهي تطمئنها:
_
ـ ما بك يا سهير؟.. اطمئني.. إن منذر يحبك بصدق.. إنه لن يؤذيك أو يضايقك
أخذت سهير ترتجف بشدة وهي تردد:
انك لا تعلمين شيئاً.. لا تعلمين شيئاً ـ
ذعرت نورا من كلام شقيقتها:
ما الامر يا سهير؟.. ماذا بك !!!!
جاء منذر من خلفهما وهو يقول لعروسه: ـ
ألم تكتفي من وداع نورا.. هيا بنا يا حبيبتي
وصعدا معاً درجات السلم وهما يشيرا للجميع حتى وصلا إلى باب جناحهما فرفعها منذر
بين ذراعيه
وهو يقول بسعادة: ـ تذكر ي أن زوجك قد حملك فوق عتبة جناحك
_
ابتسمت بارتعاش.. وأخفضت رأسها بخجل.. فدخل منذر إلى جناحهما وهو يحملها..
ثم أنزلها برفق وهو يقول: اخيرا …. اخيرا يا سهير انت بين يدى
كانت الرجفة ما زالت تتملك جسد سهير وهي بين يدي منذر, فالحظ هو ذلك
وحاول طمئنتها: لا تخافى انت تعلمين كم أحبك.. وأنني لن أؤذيك
وأخذ يمسد يديها برقة.. فهدأت قليلا
. حاول منذر أن يقربها منه فابتعدت بقلق.. فقال بهدوء: ـ اهدئي.. اهدئي يا حبيبتي
.. ثم قال بهمس عاشق: ـ أنا أحبك.. لقد أحببتك منذ اللحظة الاولى التي أريتك فيها وأنتي طفله رضيعه بين يد
خالتي شموس.. لقد أخبرت أمي يومها أن خالتي شموس أنجبت شمساً صغيرة. لها خصلات ذهبية وعينان بلون البحر
هدأت كلمات منذر من ارتجاف سهير فسكن جسدها قليلاً مما أمكنه أن يقترب منها ويطبع على شفتيها تحية رقيقة..
عاد ارتجافها للحظة ولكنه ضمها لصدره وهو يهمس لها بكلمات العشق والغزل, فاستسلمت له تماماً حتى حملها بين ذراعيه ليضعها برفق وهما غائبان في حبهما.. حتى شعرت سهير بيدي منذر تحاول خلع ثوبها عنها..
_
فلم تشعر بنفسها وهي تصرخ بهيستريا: ـ كلا.. كلا.. لا تؤذيني..لا.. تؤذيني…
الفصل العاشر
جلست نورا بجوار رؤوف في “سيارته في طريقهما للا سكندرية ومشهد سهير الاخير لايبارح عقلها.. وخاصة جملتها…
انت لا تعلمين شيئاً” ”
ما الذي تقصده وسهير؟.. وما هذا الذي لا أعلمه؟.. ماذا تخفين عني يا سهير؟.. وكيف . لي أن اطمئن عليك الان ؟
قاطع أفكارها صوت رؤوف:
انت هادئة جدا
أجابته بشرود: ـ هاه.
. سألها بقلق: انت لست معي على الاطلاق… ماذا بك ؟!!!
ـ أجابته بتلعثم وهي تحاول تناسي كلمات سهير: ـ إنني قلقة على سهير فحسب
_
… رمقها في خبث وهو يسألها: ـ ألم تمنحيها بعض النصائح عن الحياة الحياة مشتركة؟
.. صرخت به في انفعال: ـ يا الهي!.. هل هذا ما يشغل بال كل الرجال؟.
قهقه ضاحكاً: من اين لك أن تعرفين ما بعقل كل الرجال؟.. ـ
رمقته بغيظ.. وقررت تغيير مجرى الحديث: ـ لم تخبرني لما قررت السفر فجأة وفي مثل هذا الوقت المتأخر؟.
. رد عليها بحذر: ـ حسناً.. ما لا تعلمينه أن الرحلة ليست لمجرد النزهة فحسب, فأنا لدي عدة مقابالت عمل..
وقد تقآثار موعد إحداها لصباح الغد
.. صاحت به في انفعال: ـ عمل!!!.. هل أتيت بي إلى الاسكندرية لتعمل أنت.. وتلقيني جانباً!
مد يده ليمسك بكفها ويرفعه إلى شفتيه ويقبله بخفة وهو يرمقها بنظرات حنونة:
لا تانفعالي.. سوف تقضين اوقات لا تنسيهاا .. هذا وعد مني
توردت وجنتاها تحت وقع نظراته وحاولت سحب يدها منه الا أنه أمسك بها بإحكام, فسألته
_
بنبرة حانقة تقريباً لقدرته على السيطرة على انفعالها بتلك السهولة:
أين سنقيم؟.. أخبرها باسم الفندق الذي حجز به بهدوء وقد فهم المغزى خلف سؤالها.. فهي لا تريد الاقامة بفندق سبق له الاقامة به برفقة نعمات.. ولكنه لاحظ ملامح الامتعاض على و جهها فأردف:
ـ اختاري الفندق الذي تريدينه.. وأنا لن أمانع.. فنحن الان بعيدا عن موسم الصيف وسنجد ً حجزا بسهولة.
أجابته بتردد: ـ ولكني لا أرغب في الاقامة بفندق
!! التفت لها بدهشة.. فسارعت بالقول: ـ أرغب أن نقيم في شقة.. أرجوك يا رؤوف.. سيكون ارئعاً مكان أن نكون بمفردنا في مكان خاص بنا.. لعدة أيام فقط.. أنا أرغب.. في.. في.. أن أشعر بأني سيدة بيتي ولو لفترة مؤقتة
.. تنهد بقوة وهو يرفع هاتفه ليتصل بالمسئول عن فرع الشركة بالاسكندر ية وما أن سمع الصوت على الطرفا لاخر حتى قال بسرعة: ـ عامر.. اسمعني جيدا ً, أنا في الطريق إلى االسكندرية.. نعم.. أعلم أنك قمت بالححز اسمعني.. إلغ هذا الحجز.. أنا أريدك أن تجد لي شقة.. نعم شقة.. بالتأكيد يمكنك تدبير شقة للايجار!!
ستمع إلى صوت محدثه على الطرف الاخر ثم اجابه:
ـ نعم.. أعلم كم الساعة االان.. وأعلم أيضاً تصل أن ما تتقاضاه من ارتب يمنحني الحق لاتصل بك الان … أمامي ساعتان وأصل إلى الاسكندرية.. أريد أن أجد مفتاح الشقة في مكتبي في فرع الشركة… مفهوم؟
رمقته نورا بنظرة مبهورة فهي لاول مرة ترى هذا الو جه الامر منه:
ـ واااو.. ما كل هذه الاوامر.. الرجل موظف لديك وليس عبدا
_
رفع عينيه للسماء بعجز: ـ ألم أكن أنفذ طلباتك؟.. كيف تتوقعين إيجاد شقة الان؟.
. قالت بنبرة مهادنة: ـ شكرا لك.. أنت بطلي
أجابها بنفس النبرة العاجزة:
ـ وتسخرين أيضاً؟.. سأحادث عامر وأخبره ان يعود لفراشه وينسى امر الشقه
سارعت بالرد: ـ كلا.. كلا…. لاتحادثه… دعه يتعلم بعض النشاط.. من الذي يحتاج النوم في الثانية صباحاً؟!!..
رمقها بنظرة نارية فأردفت وهي تضع يدها الحرة على فمها: ـ سأصمت نهائياً
ضحك بهدوء وقال لها: ـ ستكون تلك معجزة بحق.
جذب صراخ سهير الهيستيري عمتها قمر.. فتحركت مسرعة لتذهب إليها..
حاول زوجها أنور منعها: ـ انتظري يا قمر.. قد تكون ردة فعل عادية.. لا تنسي أنها عروس جديدة
لكنها رفضت الاستماع اليه:
_
ـ عادية!!.. الا تسمع صوت صراخها.. دعني.. دعني حتى أرى ماذا فعل ولدك بابنة أخي..
وخرجت مسرعة.. بينما هو يتمتم: ـ والان أصبح ولدي
!! طرقت قمر الباب الخارجي لجناح منذر ولم تنتظر أن تسمع الاذن بالدخول, فدخلت بسرعة..
وخطت داخل البهو الخارجي للجناح وما أن وصلت لغرفة النوم حتى هالها ما رأت فعلى الفراش كانت سهير مكومة على نفسها وهي تحتضن أطراف ثوبها بقو ة وتبكي بهيستريا وصوت صراخها يعلو وينخفض..
بينما تردد بجنون: “ابتعد عني.. ابتعد عني.. لا أريد لا أريد..”
وكان منذر واقف بجوار الفراش ينظر لها بذهول ممزوج بحيرة شديدة ولا يدري كيف يهدئها أو يسكتها.
. صاحت به قمر وهي تجلس بجوار سهير على الفراش وتضمها لصدرها: ـ تقف هكذا.. تحرك واحضر كوباً من الماء.
. تحرك منذر حتى ينفذ أمر والدته.. بينما احتضنت قمر ابنه أخيها وهي تربت على ظهرها تحاول تهدئتها.. ولكن انتفاضة جسد سهير لم تهدئ.. وا ن سكنت بين احضان عمتها التي أخذت تتمتم ببعض الايات القرآنية حتى تطمئن الفتاة وتخرج من حالة الهيستيريا التي انتابتها..
ـ اهدئي يا سهير.. اهدئي يا بنتي.. ماذا فعل بك هذا الثور !!!!!
كان صراخ سهير قد تحول لشهقات متتالية عنآثارا جلب منذر كوب الماء واعطاه لوالدته في صمت وهو يرمق سهير بأسى
_
.. أشارت له والدته إشارة خفيفة برأسها حتى يخرج من الغرفة.. وعنآثارا لمحت التذمر على ملامحة أشارت له بيدها بقوة ليخرج..
بينما استمرت في قراءة الادعية والايات القرآنية وهي تربت على كتفي سهير حتى هدأت وغابت في النوم
.. خرجت قمر من غرفة النوم بعد أن نثر ت الغطاء على سهير التي كانت ما زالت تنتفض في شهقات ضعيفة حتى في أثناء نومها.. وجدت منذر يذرع صالة الجناح جيئة وذهاباً.. فنهرته بصوت خافت
ـ ما الذي فعلته بالفتاة؟.. لم اظن ابدا ا ن يكون ابني بمثل تلك الحدة مفرطة!!
أجابها في ذهول: ماذا تقولين ياأمي؟!!. اي وحشيه تلك ؟؟ انا لم افعل معاها شيئا !!!
بدت قمر حائرة وهي تحاول طمأنة ولدها:
ـ حسناً.. يبدو أن قلقها الشديد هو ما سبب ذلك.. دعها ترتاح للصباح ولا تحاول ازعاجها.. وسوف تتغلب على قلقها هذا بإذن االله ربتت على كتفه.. وهي تقول قبل أن تخرج: ـ أنت تحبها.. فاصبر عليها.. تصبح على خير
خرجت قمر وتركت ولدها والظنون تتلاعب به.. هل ما رآه من سهير مجرد قلق طبيعي من ليلة الزفاف يصيب كل الفتيات؟… لقد كانت في حالة هيستريا تقريباً..
تمدد على الاريكة وهو يستغفر ربه حتى يطرد ما مر بذهنه من ظنون.. فهو يثق في سهير ثقة مطلقة.. إنها ابنة خاله قبل أن تكون حبيبته وزوجته.. عشقها يسري في عروقه.. كان حلمه أن تصبح له.. أن يؤسس لها البيت الذي وصفته له في إحدى لقاءتهما التي كانت تتم في الاجتماعات العائلية..
وكانت نو ار تساعدهما على التخفي واللقاء بعيدا ن الاعين.. ً كانت يومها تغلق عينيها حالمة وهي تصف له البيت الواسع الذي تحلم به بحديقته الواسعة التي ستمألها بكل أنواع الورود التي تحبها.. والارجوحة التي ستعلقها في أحد أركان الحديقة.. حتى يلعب بها أولادهما..
_
وانتقلت لتصف له منزلهما بلونه الابيض ونوافذه التي بلون السماء.. وأنها تتمنى أن يحتوي على ستة غرف للنوم.. لانها ترغب في انجاب خمسة أطفال… وتريد منه انشاء غرفة خاصة ليلعب بها الاطفال داخل المنزل في الايام الباردة.. وكيف أنها تريد مطبخاً واسعاً.. فهو مملكتها التي تعد بها أشهى الاكلات التي يحبها.. والتي تعلمتها وأتقنتها خصيصاً من أجله
.. زفر بشدة وهو يحاول الهروب من ذكرياته معها.. فهو أسرع بزواجه منها قبل أن ينتهي من بناء بيت أحلامها حتى لا تضيع من يده ويسبقه إليها زوج آخر.. فهو لا يحتمل أن تكون لغيره.. وأخذ يحدث نفسه ويقنعها: “إنها صغيرة.. ولابد أنها خائفة.. يجب أن أمنحها الوقت الكافي لتعتاد على وجودي بجوارها
“.. قضت نورا برفقة رؤوف أروع أيام حياتها.. فعند وصولهما إلى الاسكندرية وجدا أن المدعو عامر
قد وفر لهما بدلاً من الشقة.. ثلاث.. اختارت نو ار منهم أصغرهم.. فكانت أشبه بشاليه صغير ولكنه يطل على البحر مباشرة.. لكنها كانت في قمة سعادتها, فعلى الرغم من مساحته الصغيرة التي لا تقارن ببيت رؤوف في مدينتهما إلا أنها اعتبر ته عشهما الخاص.. هي سيدته.. تديره كيفما شاءت.. وبالطريقة التي تناسبها..
ولم يعلق رؤوف على تخليها عن الشقق الفخمة لتتمسك بهذا الشاليه البسيط في أثاثه والصغير في مساحته.. فيكفيه أنه رأى عينيها تشع بسعادة صافية.. وترتسم على شفتيها أروع ابتسامة وهي تتوسله أن يوافق على الاقامة في هذا الشاليه البسيط..
فلم يجد أمامه سوى الموافقة على طلبها.. فهو في النهايةلا يهتم بفخامة المكان أو مدى ثرائه.. كل ما يهتم به هو تلك الابتسامة التي يراها معلقة على شفتيها باستمرار طوال الايام الماضية بالرغم أنه كان يتركها في الصباح لينهي الاعمال التي جاء الى االسكندرية من أجلها, إلا أنها لم تبد اى تذمر كالذى أظهرته من قبل حيث كانت تعيش صباحاً في دور سيدة المنزل.. فتطهو الطعام وترتب لمكان.. وتقوم بأعمال المنزل كأي زوجة وربة منزل.. ليصل رؤوف ويجد طعامه معدا
ثم ينطلقا ليجوبا كل شبر في الاسكندرية معاً.. فبرغم أن كلاهما قد ازر المدينة من قبل ولكن كل بمفرده.. فقررا ان يتعرفا عليها معاً وكأنها زيارتهما الاولى.. وأن يتركا ذكرى في كل مكان كانت نورا تصر أن يتركا السيارة ويتجوال على أقدامهما.. وعنآثارا يعترض رؤو ف تخبره بحالمية.. “إن الاسكندرية تحتاج منك أن تتذوقها ببطء.. أن تشعر بعبقها يخترق روحك.. وبعبيرها ينتشر بين جنباتك لتشعر بالدفء والترحاب الذي ينبعث منها”.. فكان يبتسم ابتسامة هادئة..
ولكنها تجد نفسها في النهاية جالسة بجواره في السيارة ليستكمال جوالتهما.. ليستقبل سيل العبارات المتذمرة المنطلقة منها بأنه زوج مستبد ولا يتيح لها الفرصة للتعبير عن نفسها بابتسامة لعوب أصبحت تصاحبه في الايام الاخيرة وهو يخبرها أنها لها مطلق الحرية للتعبير عن نفسها ولكن له هو فقط!!!.. فتتورد وجنتاها ويتوتر جسدها وتقوم بحركة شفتيها التي يعشقها.. فينطلق بها مباشرة إلى عشهما الصغير كما اسمته هي لينهل من دفئها وحبها..
مرت الايام سريعاً وأوشك رؤوف على الانتهاء من أعماله.. حتى كان ذلك اليوم قبل رحليهما بيومين حين وصل رؤوف متأخر عن موعده المعتاد فوجد نو ار تستقبله بابتسامتها التي لم تختفي من على وجهها طوال إقامتهما في الاسكندرية: ـ لقد تأخرت اليوم؟
.. أجابها وقد بدا عليه الارهاق: ـ نعم.. فلقد طال الاجتماع لاكثر مما هو متوقع
_
.. اقتربت منه بهدوء فطبع تحية رقيقة على جبينها وهو يقول: يبدو أن أعددت الطعام اليوم أيضاً.. لقد كنت اعتزم أن اصطحبك للغذاء في الخارج
ألقت برأسها على صدره: ـ أنت تعلم أن إعداد الطعام والقيام بباقي أعمال البيت تسعدني, كما أنها تشغل وقتي.. هيا بدل ملابسك.. فلقد أعددت المائدة منذ مدة
بعد أن انتهى من تبديل مالبسه وجدها قد وضعت الطعام في الشرفة الخارجية للشاليه.. سألته وهي جالسة معه على مائدة الغذاء: ـ هل أعمال الشركة كثيرة جدا هنا ؟
جابها وهو يلتهم طعامه بتلذذ:
ـ لقد اتسعت أعمالنا هنا مؤخرا ً.. وكان منذر هو من يتابعها..
هزت رأسها بتفهم:
ـ آه.. لذلك لا يوجد مكان ثابت للاقامه … حسنا .. فهمت الان
سكتت قليلا ..تتأمل طريقته السريعه فى تناول طعامه .. ثم سالته:
ـ هل أنهيت كل أعمالك اليوم؟
.. أجابها بحذر وهو ينهض بعد أن أنهى طعامه بسرعة كعادته: ـ نعم.. لماذا تسألين؟
_
تحركت معه وهو يتحرك نحو غرفة النوم: ـ ألن نخرج اليوم؟.
. أجابها وهو يقربها منه: سنخرج بالطبع ولكن دعينا نستريح قلبلا
أجابته بلهجة آمرة وهي تدفعه بقوة لينفذ طلبها:
كلا .. انا اعلم جيدا وجهه نظرك عن الراحه .. سنخرج الان
قهقه ضاحكاً وهو يقول :: ـ يا الهي!!.. من يعتقد أن هذا التسلط يخرج من فتاة أكبر من الآثارية بقليل
وضعت يدها في خصرها كعادتها وهي تسأله: ـ ومن هي الآثارية؟!
عاد يقربها منه ثانية حتى ألصقها به: انت ت آثاريتي أنا.. والان أنا في مزاج مناسب للعب ـ
ردت عليه بابتسامة لعوب:
لم يخبرك احد ان الصبيه لا تلعب بالآثاري !!
قهقه ضاحكاً وهو يحملها للفراش:
_
ـ ولكن الِصبية في مثل عمري.. مسموح لهم باللعب بالآثارى إذا كن بمثل روعتك
قفزت نورا من الفراش بسرعة وهي تضحك:
كال.. لن تستدرجني بمعسول الكلام… أنا أريد الخروج.. االان!
حاول الامساك بها فركضت هاربة منه وهي تكرر طلبها بضحكة رقيقة: ـ أريد الخروج..الان
وافقها بهدوء وهو يعود بها إلى داخل الحجرة: ـ بالطبع سنخرج…
ثم صمت قليلاً… ليستطرد قاًئلا: لاحقاً…
و لكنهما لم يخرجا في ذلك اليوم.. فبعد أن غابا معاً في عالم العشق والجنون كورت نورا بين احضان رؤوف رافضة أن تسمح له بالنوم كعادتها مؤخرا فربضت علي صدره ترتكز بذقنها على يديها اللا تين تشابكت أصابعهما وهي تدرس ملامحه عن قرب وتبدأ في استجواب جديد له عن كل ما مر به في حياته.
كان يتذمر في البداية من تلك الاستجوابات ولكنه خضع لها سعيدا خبرته أنها تريد ً بعد أن اخبرته انها تريد
أن تتعرف على كل كبير ة وصغيرة مرت به وهو بعيد عنها.. فكان يراقب السعادة على ملامحها وهي تسمعه يحكي عن طفولته وعن الطرق التي كان يبتكرها للهرو ب من تحكمات جده بدون أن يبدو وكأنه غير مطيع له.. ثم يرتسم عليها الاسى عنآثارا تسمعه يحكي عن افتقاده لوالده أو عن ما كان يعانيه من تحكمات الجد المتزمتة.. فيمد يده ببساطة ليمحي
تقطيبة جبينها وهو يخبرها أنه راٍض عن حياته ولا يلوم جده أو أي شخص اخر علي ما مر به
_
مدت يدها تتخلل بأصابعها خصلات شعره وهي تسأله:
ـ هل تعلم أن شعرك ليس أسود تماماً؟..
سألها بكسل وهو يلف ذراعه حول جسدها : حقاا
نعم .. وعينك ايضاا .. لهما درجه مختلفه عن عين والدى .. انت تشبه جدى كثيرا
رد يتصنع الانفعال:هل انتهى من مقارنتي برجال العائلة؟.. ـ
ضحكت وهي تقول: ـ هل أنت غاضب من مقارنتي لك بأبي؟..
لقد كان جدي يلقبه بـ أوسم رجال الجيزاوي.
. رد بتذمر: نعم انا غاضب .. فيبدو اني لست وسيما بما يكفي … فهل تسمحين اي بالنوم ؟؟
أجابته بابتسامة لعوب: ـ كلا.. لن تنام.. أنت خدعتني لتلعب بآثاريتك.. فتحمل عواقب ذلك
قهقه ضاحكاً:
_
ـ حسناً.. ماذا أفعل إذا كنت أآثارنت على تلك الآثارية؟.. ولكني مستعد تماما لجوله جديده من الاستجوابات
. ماذا تريدين أن تعرفي الليلة؟..
كانت نورا طوال فترة وجودهما بالاسكندرية تفكر في كلام والدتها وعمتها.. هي شعرت بالفعل أن رؤوف يمتلك مشاعر قوية.. ولكنه لا يجيد التعبير عنها.. فهو يركزها في الناحية الحسية فقط.. فهذا ما يعرفه عن الحب والعشق.. جانبه المادي فقط.. لكنه كان جاهلا ً تماماً عن نواحي الحب الرومانسية والروحية.. لذا قررت أن تكون هي البادئة كما نصحتها عمتها.. أن تكون هي دليله لعالم الرومانسية الروحي كما كان هو دليلها إلى عالم العشق الحسي
.. تكلمت بنبرة جدية: ـ كلا … لن يكون هناك استجوبات الليلة.. بل سيكو ن هناك اعترافات.. اعترافاتي أنا..
تعجب رؤوف من كلامها فاعتدل جالساً وهو يسحبها معه لترتكز بين ذ ارعيه وهو يسالها بقلق :
ـ ماذا هناك يا نورا؟..
أجابته برقة: ـ هل تذكر ليلة وفاة عمي عبد الرحمن؟.
. تغضن جبين رؤوف بقلق.. فتلك الايام تمثل أسوأ ذكرياته, لكنه أدرك عن مغزى سؤالها:
ـ نعم.. تلك الليلة عنآثارا خرج ِت تركضين فزعاً من مجلس النساء
سألته بدهشة: ـ هل تذكر ذلك؟
_
.. أجاب بارتباك: ـ نعم.. ماذا بها تلك الليلة؟
ترددت قليلا
. ثم حسمت أمرها: ـ تلك الليلة التي وقعت بها في حبك..
حاول مقاطعتها.. لكنها وضعت إصابعها على شفتيه برقة:
ـ أعلم أنني كنت طفلة حينها.. وأن أحداثاً كثيرة مرت.. لكني لن أخدع نفسي وأوهمها أنني
وافقت على الزواج منك بسبب أبي.. أو جدي.. أو العائلة.. بل وافقت من أجلك.. من أجلي.. فأنا بعد مصارحة مع نفسي اكتشفت أن الحلم الذي وقعت في حبه كطفلة.. لم يتلاش كاحلام الطفوله ويختف … بل ازداد ذلك الحب ونضج مع مر السنين
عل الرغم من رفضي الاعتراف به في البداية.. بل عآثار ادراكي له.. حتى تقآثارت للزواج مني.. فكان أن وافقت تحت زعم أنني ارتبط برجل جيد لا غبار عليه.. وأنفذ أيضاً.. لكني لن أوامر أبى . فأنا قررت المصارحة والمواجهة مع نفسي أولاً يضاً.. أخدع نفسي أكثر من ذلك. ومعك أ فأنت تستحق أن تعلم أنني.. أحبك.. أحبك يا رؤوف..
كان رؤوف صامتاً بوجوم طوال فترة اعترافتها المذهلة.. فهو للمرة الاولى يستمع لتلك الكلمة..”أحبك”.. وبتلك العاطفة الصادقة.. فلم يدري كيف يتصرف أو بماذا يجيب عليها.. نظر إليها بعجز.. غير قادر على الاستجابة فرأى في عينيها عاطفة خالصة.. ممزوجة بسحابة من الآثاروع التي تهدد بالانهمار في لحظات.. لاحظت صمته التام أمام كلماتها
فاستطردت لتكمل ما أرادت قوله:
ـ تأكد أني لا أنتظر اعت ارف مقابلاً العترافي… لكنني يجب أن بوح بآخر اعترافاتي.. أن حبي لك هو ما جعلني أوافق على أن أكون زوجة ثانية.. لكني لن أرضى أبدا حل في المرتبة الثانية في قلبك.. وحياتك.. تأملت نورا وقع كلماتها الاخيرة عليه فلاحظت اخلاتجه خفيفة في عضلة فكه قبل أن يتحرك بهدوء ويطبع تحية رقيقة على جبينها..
_
ثم يرتدي ملابسه ويخرج من الغرفة وكأنه يهرب منها ومن نفسه وأفكاره ومشاعره
.. لم تفاجئ نورا من ردة فعله.. فهي لم تتوقع منه اعتراف متبادل.. ولكن هذا يمنع من احساس بإصابة طفيفة عميق نتيجه خروجه السريع بدون حتى أن يوجه لها كلمة واحدة.. مسحت آثاروعها التي هطلت على وجنتيها بهدوء وهي تحاول مواساة نفسها..
“فلاصبر قليلاً.. لعله يدرك كم أحبه.. ويتعرف على مشاعره الشخصية. انا لست داخل أحد الافلام القديمة التي يصرح بها البطل بحبه فجأة.. أنها الحياة.. الواقع.. من الممكن أن يبادلني مشاعري يوماً ما.. ومن الممكن أن أنتظر طوال حياتي في انتظار ذلك”. ظلت تراقبه من نافذة غرفة النوم وهو جالس أمام البحر يبدو غائباً عما حوله..
وال يرافقه إال لفافات السجائر التي أخذ يستهلكها بشراهة على مدار الساعتين الماضيتين منذ أن تركها لينفرد بنفسه.. وهي قررت ترك المساحة له ليفكر في كلماتها ويتيقن من صدقها.. ولكن طال الوقت وهو لم يتحرك من جلسته.. فتحركت بتردد لتذهب إليه..
وجدته شاردا ً عما حوله ممسكاً بإحدى سجائره التي قاربت على االنتهاء وحرق يده.. فمدت يديها وسحبتها منه, أجفل من حركتها.. ثم رفع إليها عينين حائرتين تناشداها مساعدته للوصول إلى التصرف الصحيح.
. كانت عينيه تسألها الا تطالب برد على اعترافها.. فهو غير قادر على تكوين ذلك الرد.. أو التعبير عنه في كلمات واضحة.. جلست على ركبتيه وقد قررت أن تجعله يعبر عن ما يموج بداخله بالطريقة التي يعرفها.. فإذا كان الجانب
المادي من الحب هو ما يدركه ويفهمه.. فليكن.. لا يهم.. قد يأتي اليوم الذي يمتزج الجانب الحسي للحب بالجانب العاطفي في إدراكه.. عليها فقط أن تساعده على ذلك..
فرفعت ر ذرارعيها لتعقدهما حول عنقه وهي تسأله بلهجتها اللعوب وان شاب الكثير من الحزن: ـ هل ستظل في هذا المزاج العابس؟.. أعتقد أنني يجب أن احوله لمزاج عابث؟
.. ثم ضحكت برقة وهي تلمس أنفه بأنفها وتسأله: ـ هل اكتفيت من آثاريتك؟
.. وكأنه كان ينتظر كلماتها فهجم عليها بسرعة يلتهم شفتيها مع آخر كلماتها ويرفعها بين في ذ ارعيه ليعبر عن مشاعره بالطريقة التي يعرفها.. وا ان كان حبه عنيفا تلك المرة.. فهو يختزن الكثير بداخله وغير قادر عن صياغته في كلمات.. ورغم ذلك كان يردد باستمرار… “قمري
_
جلسا معاً على مائدة الطعام مع باقي أفراد العائلة ولكن سهير كانت شاردة عن الواقع حولها تتأمل ملامح منذر التي ظهر عليها االارهاق بوضوح بمشاعر هائلة من الذنب والكره لنفسها..
فبعد مرور أكثر من عشرة أيام على زفافهما.. إلا أن وضعهما لم يتغير عن الليلة الاولى التي لاتتذكر الكثير من أحداثها.. سوى أنها سقطت نائمة لتستيقظ في الصباح وتجد نفسها ما زالت في ثوب زفافها ومنذر نائم على الاريكة الموجودة في صالة الجناح
.. يومها أيقظته بعد أن بدلت فستان الزفاف بفستان صباحي بسيط.. وسألته عما حدث؟.. ولكنه ظل صامتاً…
عادت تسأله: ـ منذر.. لم لا تجيبني؟.. لم تركتني أنام بثوب الزفاف؟.. ولم نمت أنت هنا؟..
رمقها بارتباك وهو يجيبها بحذر : يبدو أنك.. أنك.. أن.. قلقك كان شديد.. أمس..
جملته معلقة ولكنها فهمت ما أراد قوله وقد بدأت لمحات مما حدث أمس تظهر في عقلها فأخفت وجهها بين كفيها: ـ يا إلهي.. لقد تذكرت.. ما الذي تظنه بي عمتي قمر االان؟.
. أنا آسفة.. أنا آسفة.. وأجهشت في الحزن وهي تردد كلمات الاسف
. خشي منذر أن تدخل في نوبة هيستيريا جديدة فاقترب منها بحذر شديد وربت على كتفها بخفة: ـ تخش شيئاً.. ولا تقلقي.. إن ما حدث شيء طبيعي بالنسبة لعروس صغيرة وجديدة
رفعت إليه عينيها الزرقاوين المغرورقتان بالآثاروع وهي تعتذر منه في صمت.. أخذ يتأمل ملامحها الناعمة ووجنتيها المتوردتين وشفتيها المرتعشتين بفعل بكائها.. فلم يتمالك نفسه وانحنى على شفتيها ليقبلهما برقة..
فتجاوبت معه في البداية.. ولكن بمجرد أن تحركت يديه .. وقد ظهر الذعر في عينيها مجددا على جسدها حتى دفعته بعيدا لهث منذر بقوة وهو يحاول التحكم في مشاعره والسيطرة عليها.. وأشار لها بيده أن تهدأ وتطمئن: ـ اهدئي.. اهدئي يا سهير.. لا تخافي يا حبيبتي.. أنا لن استعجلك.. يكفيني وجودي بجوارك.
_
. نظرت له بعذاب لا تستطيع تفسير ما يحدث لها.. لا تستطيع إخباره بكلمات واضحة.. وحتى إن تمكنت من مصارحته هل سيقدر ما تشعر به؟… هل سيتفهمها ويتحملها؟..
مرت عليها أيام التهنئة األولى في عذاب والجميع يتوقع منها ابتسامة السعادة ومالمح العروس الخجول, التي لا تعلم كيف ترسمهما.. حاولت خداع والدتها وعآثار مصارحتها بأي شيء..
ولكن شموس بفطرتها أدركت وجود خطأ ما.. فحاولت اسداء النصح والارشاد إلى ابنتها.. ولكنها لاحظت ملامح الذعر والفزع التي ترتسم على وجهها.. فسألتها شموس بقلق:
فسألتها شموس بقلق:
ـ سهير.. ماذا هناك يا ابنتي.. صارحيني.. أنا أمك.. من أقرب اليك منى ؟
فأجابتها سهير بارتباك:
ـ لا شيء يا أمي.. لا تقلقي.. أنا فقط أخجل من تلك الاحاديث.. أرجو ِك .. اطمئني لا داعي لاحداث جلبه
حاولت شموس كثيرا مع ابنتها إلا أنها لم تستطع الوصول لشيء مفيد … فمالت لتفسير قمر
. بأن ما يحدث هو خجل طبيعي من العروس وان كان زائد عن المعتاد
فاقت على سؤال منذر
_
سهير .. ماذا بك ..انا اكلمك منذ فتره .. هل انت بخير ؟!!
اجابته بارتباك: ـ نعم.. أنا بخير..
فقط كنت اتساءل عن موعد عودة نور
ـ أعتقد أنهما سيعودان غدا ان شاء الله
حسناااااا
كانت تنتظر عودة نورا بفروغ الصبر.. فهي الوحيدة التي تستطيع فهمها و التفاهم معها.. لقد حاولت مصارحتها بحقيقة الوضع أكثر من مرة في مكالمتهما المتبادلة.. لكنها كانت تستشعر السعادة التي ينبض بها صوت شقيقتها.. فتتراجع عن مفاتحتها وسؤالها النصيحة.. حتى لا تتسبب في تعكير سعادتها..
لكن نورا لم تتصل منذ يومين وهذا يسبب لسهير ضغط إضافي.. فشعورها بالسعادة في صوت شقيقتها كان يمنحها الامل.. والاطمئنان… ولكن اختفائها كان مريب ومقلق
.. شعرت بيد منذر تهزها للمرة الثانية وهو ينبهها لشرودها عن الحوار الدائر.. فشعرت بالحرج.. خاصة وقد ازدادت حساسيتها من جميع من حولها.. وازداد شعورها بأنها مادة مثيرة لحوارتهم فحالها هي ومنذر لا يدل على عروسين جديدين ينعمان بالسعادة معا
استأذنت معتذرة لتصعد الى غرفتها.. وسمعت صوت منذر وهو يقول انه سيلحقها سربعا
صعدت سريعاً هاربة من الجميع ومن منذر بصفة خاصة.. فهي تدري أنه عانى الكثير منذ ليلة زفافهما.. ولا تنكر أنه تفهم قلقها وعاملها برقة فائقة وهذا ما يزيد عذابها, معاملته الراقية والرقيقة لها بالرغم مما يصيبها كلما حاول الاقتراب منها..
_
فحالة الر عب الهيستيري التي تصيبها أصبحت تتحول لحالة من الجمود والتصلب كلما ضمها بين ذر اعيه فكان يبتعد عنها بصعوبة تزداد في كل مرة.. وهي لا تدري إلى متى سيتحمل ويصبر.. تخشى اللحظة التي ينفذ فيها صبره.. فيجبرها على ما لا تطيق.. كما أصبحت تخشى نظراته المتسائلة التي تتحول أحياناً من التفهم والشفقة إلى التساؤل والفضول.. ولا ترغب أن تأتي اللحظة التي تتحول تلك النظرات إلى نظرات متهمة.. فهذا ما لا لن تطيقه أو تحتمله.. برغم أنها تمنحه العذر في ذلك
.. دخل منذر الى الغرفة وهو يحمل صينية عليها كأسين من العصير واخبرها بر قة: ـ لقد احضرت لنا كوبين من العصير الطازج لنشربهما معاً.. فأنت تركت المائده قبل ان تنتهي من طعامك.
رمقته بامتنان وهي تقول: ـ شكراً لك.. سوف أذهب لابدل ملابسي وأعود سريعاً
تأملها وهي تتحرك راكضة تقريبا :
إلى المكان الملحق بالجناح.. وهو يفكر هل ما سيقآثار عليه هو التصرف الصحيح؟.. وهل ستسامحه سهير على ذلك؟…
إنه يتمنى فقط أن تستوعب الدافع وراء تصرفه ذاك.. فتعليقات أشقائه الاكبر منه وزوجاتهم أصبحت مثيرة للغيظ, بل للغثيان..
فهو لا يقبل أن يقال كلمة واحدة عن أخالق زوجته.. ورفضها المستمر معاً له لا يساعد على تحسين صورتها أمام أفراد أسرته التي أصبحت مراقبتهما هي هوايتهم الجديدة.. وكأنهم يتبادلون رهاناً ما عن إذا ما كانت العروس الجديدة ستستسلم لزوجها.. او أن الوضع سيظل على ما هو عليه.. زوجان مع إيقاف التنفيذ
افاق على عودة سهير إلى الغرفة وهي تجلس على المقعد المقابل له وترفع كأس العصير إلى فمها, فأوقفها بسرعة: ـ سهير.. توقفي… لا تشربي ذلك العصير!
سألته بدهشة: ـ لماذا؟!..
نهض من على مقعده ليتحرك في الغرفة بعآثار راحة وأجابها بارتباك وهو محرج وخجل من نفسه ـ أنا آسف .. يا حبيبتي.. آسف جدا
_
وضعت كأس العصير على المائدة وعادت تسأله وقد شعرت بالقلق: ـ لماذا تعتذر يا منذر؟.. ماذا يوجد بالعصير؟..
ـ مهدئ للاعصاب
نهضت بدورها لتواجهه وهي تسأله بدهشة: ـ هل كنت تنوي أن تخدرني يا منذر؟
اجاب بسرعة: ـ كلا بالطبع.. ماذا تظنين بي؟!.. إنه مهدئ فقط.. سيرخي من أعصابك.. ولكنك ستكونين واعية ومدركة لكل شيء
. سألته بتردد: ـ وهل.. هل.. سأ كون قادرة.. على الرفض.. أو .. أو إيقافك؟.. أو
.. قاطع كلامها: ـ بالتأكيد.. إنه مهدئ فقط.. وليس مخدر.. أو.. قطع كلامه عنآثارا وجدها تتوجه للمائدة وترفع كوب العصير لشفتيها وتتجرعه عن آخره…
يتبع….