منوعات

جبر السلسبيل بقلم نسمه مالك

لا ينكر أن فعلتها هذه ذادت حبها في قلبه أضعاف مضاعفة،و أيضًا تضاعف شعوره بالذنب لكنه مازال هناك جانب ما بقلبه الملتاع الذي لا يملك أي سلطة عليه، أزدهرت به براعم عشق قوي لتلك ال “سلسبيل”،

لا يعلم لما هي الذي خصها الله عن دون النساء أن تخطف قلبه بنظرتها الحزينة، لم يتخيل بيومٍ من الأيام أن يميل قلبه لأنثى أخرى غير زوجته،

كان هذا الأمر بالنسبة له من المستحيلات حتي وقعت عينيه على تلك الصغيرة التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب، أصبح الآن أمام قلبين ينزفان من شدة ألمهما، و هو وحده مُلزم بإيقاف هذا النزيف، فهل سيكون عادل بينهما و يعطي لكل منهما حقها في قلبه رغم هذا الشعور العجيب الذي يغمره،

هو بكل ما يملك من قوة يشعر أنه مسؤل من زوجته “خضرا”، بينما “سلسبيل” يشعر أنه مسؤل عنها..

هبط الدرج بخطواته الواثقة، يدور بعينيه عن والدته “بخيتة” لقد عاد بوقت متأخر ليلة أمس كانت هي نائمة حينها، وجدها تجلس كعادتها كل صباح بحديقة المنزل بملامحها العابسة التي لا تتخلي عنها أبدًا..

سار نحوها ممسك بيده عصا خشبيه جديدة أحضرها لها خصيصًا بدلاً عن تلك التي هشمها وقت غضبه، لمحته “بخيتة” بطرف عينيها، فرمقته بنظرة غاضبة، و أشاحت بوجهها للجهه الأخرى و هي تقول..
“تَو ما افتكرت إن ليك أم زعلتها و كسرت عكازها يا عبد الچبار!!!”..

“مقدرش على زعلك يا أمه.. دا أني عايش برضاكِ عليا يا ست الناس”.. قالها و هو يميل على يدها و يقبلها مكملاً ..
“حقك على راسي يا أم عبد الچبار، و لو على العكاز ..چبتلك واحد چديد أحسن منِه “..

“بخيتة ” و هي تأخد منه العصا، و تتأملها بانتصار، فهي تعلم جيدًا أنه بار بها، و يسعي جاهدًا لينال رضاها عنه رغم كل ما تفعله..
“أنت اللي عكازي، و سندي، ضهري يا ولدي، و مع أكده عمري ما هرضي عنِك إلا لما تسمع حديتي و تتچوز و تچيب الواد.. وقتها هبجي راضية عنِك صُح”..

“هتچوز سلسبيل يا أمه”.. أردف بها و هو يجلس على المقعد المقابل لها بأريحية مكملاً بهدوء آثار غضبها..
“أني مستنظر قناوي هو على وصول، و شيعت حسان يچيب المأذون “..

” بخيتة ” بغضب.. ” لع يا عبد الچبار.. بلاش مِنها البت دهيه.. كرهتها و كرهت شوفِتها..ارميها لأبوها و غورها من اهنه، و أني هدلي على البلد أچيبلك بنتة صغيرة خمستاشر سنة أكده تكون لسَتها بت بنوت”..

انتظر حتي أنهت حديثها، و نظر لها بعتاب مردفًا.. “طيب إسألي لول علي اللي مرمية في المستشفى حالتها خطرة محتاچة عملية واعرة في جلبها بسبب قسوتك و قسوة أبوها و أخوي الله يرحمه ويسامحه عليها.. دي مهما حُصل كان بناتكم عيش و ملح”..

شهقت” بخيتة ” بعنف، و ضربت على صدرها بكف يدها مدمدمة.. “بجت مريضة بجلبها.. على أكده لا هتبجي حمل چواز و لا خلفة يعني ملهاش عازه عنِدنا”..

” عبد الچبار”.. بنفاذ صبر.. ” لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. الرحمة شوي يا أمه أحب على يدك”..

” بخيتة” بنبرة متوسلة.. ” أسمع حديتي يا ولدي.. أني ريدالك الصالح.. هچيبلك بدل العروسة عشرة و نقي منِهم اللي على كيفك”..

” متتعبيش حالك على الفاضي يا أمه .. أني مهتچوزش غير اللي خضرا طلبت لي يدها”..قالها و هو يهب واقفًا، و تابع بابتسامة انبلجت على قسمات وجهه و هو ينطق حروف إسمها..
” سلسبيل “..

نظرت له” بخيتة ” بأعين مشتعلة بغضب عارم حتي اختفى عن عينيها داخل منزله، و حدثت نفسها بوعيد قائلة..
” يا ويلك مني يا خضرا يا بت المركوب يلي ساحرة لولدي”..

………………………………….صلِ على محمد 💐….

“سلسبيل”..

لاحظوا الأطباء تطور ملحوظ بحالتها منذ ليلة أمس، خاصةً بعد حوارها مع “خضرا” عن زواجها من “عبد الجبار”..

شيئًا ما جعل روحها تنتعش، ربما الأمان الذي غمرها و هي تتخيل نفسها زوجة رجل سيكون سند، و درع حامي لها، هذا ما كانت تبحث عنه دائمًا حتي أوشكت على اليأس بعدما ظنت أنها لن تعثر عليه أبدًا..

و أخيرًا و بعد طول أنتظار وجدت من تستطيع الهروب إليه من قظ العالم و سرابيته، من برودة يناير و أرتعادته..

تزم عينيها حتي تمر قوافل الشك و الارتياب المغبرة بذكريات مبعثرة، كالعجوز الصغيرة تتلهف رتق تجاعيد الرحله لديه، جاءت إليه بالنزع الأخير فأما أن يكون منقذها أو قاتلها..

أما “خضرا” أيقنت أنها أخذت القرار الصحيح بزواج زوجها من “سلسبيل” بعدما درست الوضع جيدًا من جميع الجوانب،

عادات وتقاليد الصعيد بلدها تعطي الحق للرجل بالزواج على زوجته حتي لو أنجبت له جيش من الرجال، و لا تسمح لاي امرأة أن تعترض أو حتي تطلب الطلاق،يفضلون عودة ابنتهم لهم جثة هامدة، و لا تعود حاملة لقب مطلقة،

و إن حدث الطلاق في أصعب و أضيق الظروف لن يتركوها دون زواج إلا فترة عدتها فقط، و من ثم ستتزوج من رجل أخر بكل تأكيد سيكون متزوج قبلها، و ستصبح أيضًا زوجة ثانية، أو ربما الثالثة..

حينها لن يترك “عبد الجبار” ابنتيه معاها، سيأخذهما منها رغمًا عن أنفها هذا باعتبار لو تركهما لها من الأساس ..

وضعت في موقف لا تُحسد عليه، لكنه جعلها تكتشف جانب جديد عليها كليًا في شخصيتها، لم تكن تعلم عنه شيئًا، أصبحت قوية عن ذي قبل،

أقسمت على أن تحافظ على بيتها، و زوجها و لن تدع مخلوق يخرب عليها صفو حياتها،

لم و لن تعود لتلك الضعيفة التي كانت تفقد وعيها، و تبكي بانهيار إذا ألقت “بخيتة” على سمعها إحدي كلماتها الجارحة،

ستنتقم لكرمتها، و كبريائها، و لن تترك أو تتنازل ثانيةً عن حقها و حق “سلسبيل” من اعتبرتها ابنتها رغم أنها لم تُكمل الثلاثين عام من عمرها بعد..

“الله أكبر.. عيني باردة عليكي يا ست العرايس”..
نطقت بها “خضرا” التي أنتهت للتو من تمشيط شعر “سلسبيل” بعدما ساعدتها على أخد حمامًا دافئ و هي بمكانها.. طريحة الفراش..

“ربنا ميحرمنيش منك أبدًا يا أبلة خضرا”..
همست بها “سلسبيل” بامتنان، و ابتسامة دافئة تزين ملامحها التي بدأت تشرق من جديد..

” و لا يحرمني منِك يا خيتي، و يتم شفاكي علي خير قادر يا كريم “.. قالتها و هي تقرب من فمها كوب من العصير مكملة..
“عايزاكي تروقي و تقومي على حيلك قوام لأجل ما نعاود على الدار، و تبجي عنينا على بخيتة العفريتة” ..

صدح صوت ضحكة “سلسبيل” منذ وقتاً طويل لم تضحك من قلبها حتى كادت أن تنسي صوت ضحكتها، و همست مؤيدة حديثها..
” أيوه والله هي فعلاً عفريتة، و لايق عليها الاسم أكتر من بخيتة “..

انت في الصفحة 13 من 37 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
186

أنت تستخدم إضافة Adblock

انت تستخدم اضافة حجب الاعلانات من فضلك تصفح الموقع من متصفح اخر من موبايلك حتي تقوم بتصفح الموقع بشكل كامل